لم تعد إثيوبيا تعاني مجرد أزمة سياسية عابرة، بل تواجه تصدعاً جذرياً في بنيتها الوجودية ذاتها. فمنذ صعود أبي أحمد إلى السلطة عام 2018م، جرى تدشين مشروع سياسي يقوم على هدم قواعد التوافق الدستوري لعام 1995م، لصالح نزعة مركزية مفرطة تحاول صياغة الدولة بقالب أحادي قسري. هذا التحول الفج من "فيدرالية القوميات" إلى "سلطوية المركز" أشعل فتيل صراعات صفرية عابرة للأقاليم، وأدخل البلاد في نفق مظلم من الاستنزاف المستمر.
ومما لا شك فيه أن أية عملية انتقال سياسي مستدامة أو تسوية تاريخية في الدول المتعددة قومياً وثقافياً ، ولا سيما في دولة متفردة بتنوعها الإثني مثل إثيوبيا —التي تتجاوز 80 عرقية وقومية— تقتضى كشرط أساسي، وجود مظلة جامعة تضمن تمثيل كافة الأطراف بإنصاف وعدالة. غير أن التجربة الإثيوبية المعاصرة في عهد حكومة رئيس الوزراء وحزب الازدهار جاءت لتشكل نموذجاً صارخاً لعملية "التفريغ السياسي"، حيث تحولت المبادرات الكبرى للتسوية — وفي مقدمتها "هيئة الحوار الوطني الإثيوبي" — من منصة وطنية جامعة لمعالجة الجذور التاريخية للأزمات، إلى مجرد واجهة شكلية تحتكرها السلطة لتكريس هيمنتها واستعراض قوتها المفتعلة.
مونولوج الحوار الوطني كواجهة شكلية وأزمة مقاطعة شاملة
تجلت الأزمة الهيكلية لـ "هيئة الحوار الوطني الإثيوبي" منذ تأسيسها عام 2021م بقرار برلماني أحادي، مروراً بالانتخابات التي أجريت في العام الحالي، لتكرس هيمنة حزب الازدهار الحاكم وتتحول إلى واجهة شكلية لتمرير رؤية المركز بدلاً من كونها فضاءً للتوافق. هذا الإقصاء المنهجي واحتكار القرار —وسط استمرار الحروب والملاحقات الأمنية— دفع قوى المعارضة الكبرى والحركات المسلحة (مثل جبهة وجيش تحرير أورومو وميليشيات فانو) إلى مقاطعة الحوار بالكامل؛ لعدم توفر شروط الحياد والضمانات. وأسقطت هذه المقاطعة الصفة التمثيلية عن الهيئة، محولة إياها إلى "مونولوج" أحادي الجانب عمّق الهوة السياسية بدلاً من ردمها.
التأزم الداخلي: فخ "الاتهامات الخارجية" وتصدير الأزمات
وسط تفاقم مأزق النظام في أديس أبابا جراء فشل هندسة هذا «المونولوج» وتجدد المواجهات العسكرية على جبهات عدة (لا سيما في إقليم تيجراي وأقاليم أخرى)، انزلق نحو الهروب للأمام عبر سياسة اتهام الجوار الإقليمي، حيث سارعت المؤسسة الرسمية والعسكرية الإثيوبية إلى إطلاق اتهامات متكررة لدول الجوار — وتحديداً إريتريا ومصر والسودان — بدعم المعارضة المسلحة وتحالفات الداخل، بالتزامن مع قطع العلاقات الدبلوماسية المباشرة مع الجارة إريتريا وطرد الدبلوماسيين. مما يعكس بعض المحاولات البائسة لتعليق إخفاقات التسوية الداخلية واهتراء شرعية "الحوار الوطني" على شماعة المؤامرات الخارجية، متجاهلة أن الأزمات الإثيوبية هي نتاج خالص لاحتكار السلطة ومحو الشراكة التعددية.
الانهيار الاقتصادي وتوظيف أزمة السد
لم تقتصر تداعيات الأحادية السلطوية على الجانب السياسي والعسكري فحسب، بل رافقها استنزاف اقتصادي حاد ناتج عن كلفة الحروب الداخلية المتواصلة وعمليات الاستقرار الهش، مما أدى إلى تراجع مخيف في الاحتياطي النقدي الأجنبي، وتضخم جامح أنهك المواطن الإثيوبي. وفي محاولة مستمّيتة لتوحيد الجبهة الداخلية المتهالكة، دأبت السلطة على العزف على وتر "القومية الإثيوبية" عبر مشروع السد الإثيوبي والسياسات الهجومية في البحر الأحمر، متجاهلةً قواعد القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية. هذا المسار العدائي لم يقتصر أثره على توتير العلاقات مع دول المصب ودول القرن الإفريقي فحسب، بل حول إثيوبيا من دولة محورية واعدة إلى بؤرة توتر تهدد الأمن والسلم الإقليميين برمتها، مما كرّس عزلتها السياسية والاقتصادية على المستوى الدولي.
ختامًا:
لقد أثبتت تجربة "الحوار الوطني" في إثيوبيا أن الأحادية السياسية والتعنت السلطوي لا يمكنهما بناء سلام مستدام، بل يؤديان إلى تأبيد حالة الاستنزاف وتعطيل مقومات الدولة. إن محاولات الالتفاف على الأزمات الهيكلية عبر هندسة مسارات شكلية واحتكار أدوات التسوية في بلد يتسع لأكثر من 80 عرقية، لا تسهم سوى في تعميق الشقاق وتأبيد دائرة العنف. إن الإصرار على فرض "المونولوج" المركزي وإقصاء المكونات الفاعلة، تزامناً مع سياسة تصدير الأزمات وافتعال العداء مع الجوار الإقليمي، لن يمنح النظام طوق النجاة المرجو؛ بل يدفع بالدولة نحو حافة تفكك غير مسبوق. وعليه، فإن أي مخرج حقيقي من هذا النفق المسدود يشترط أولاً التخلي عن أوهام الأحادية وسياسة الهروب بتصدير الأزمات، والشروع في تأسيس عملية سياسية شاملة ومحايدة، تضمن تمثيل كافة الأقاليم والقوى دون استثناء، لترسيخ عقد اجتماعي حقيقي يعيد إحياء الشراكة وينقذ إثيوبيا من مصير الانهيار والعزلة الإقليمية.