عاجل

«نرطن بالنوبي».. حكاية أحمد إدريس صاحب شفرة حرب أكتوبر السرية

النوبي أحمد إدريس
النوبي أحمد إدريس

لم تكن حرب السادس من أكتوبر 1973 مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش المصري وإسرائيل، وإنما كانت معركة لاستعادة الأرض والكرامة وإعادة بناء الثقة بعد سنوات من مرارة الهزيمة.

وفي تلك الحرب، لعبت عوامل عدة دورًا في تحقيق المفاجأة العسكرية المصرية، فلم يكن التفوق مرتبطًا بالأسلحة والعتاد فقط، وإنما امتد إلى التخطيط والتمويه والخداع الاستراتيجي، ومن بين القصص التي ارتبطت بهذه المنظومة حكاية الجندي النوبي أحمد إدريس، الذي ارتبط اسمه بما عُرف لاحقًا بـ«شفرة حرب أكتوبر».

 

من النوبة إلى حرس الحدود

وُلد أحمد إدريس عام 1935 في قرية توماس وعافية النوبية بمحافظة أسوان، والتحق بقوات حرس الحدود متطوعًا عام 1954.

وخلال سنوات خدمته العسكرية، شارك في عدد من الحروب التي خاضتها مصر، قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بإحدى أكثر القصص تداولًا عن وسائل الاتصال والتمويه التي سبقت حرب أكتوبر.

ففي ذلك الوقت، كانت القوات المسلحة المصرية تبحث عن وسيلة تضمن سرية الاتصالات بين وحداتها، خاصة في ظل مخاوف من قدرة إسرائيل على اعتراض وفك بعض الشفرات المستخدمة في الاتصالات العسكرية.

 

«نرطن بالنوبي».. بداية الحكاية

بحسب الرواية التي نقلها أحمد إدريس عن تجربته، جاءت الفكرة بشكل بسيط وغير متوقع.

وخلال إحدى المواقف التي جمعته بعدد من قيادات وحدته، اقترح استخدام اللغة النوبية في الاتصالات العسكرية، قائلًا لزملائه: «نرطن بالنوبي».

وكانت الفكرة تستند إلى خصوصية اللغة النوبية، التي لم تكن تُستخدم على نطاق واسع في الكتابة العربية، وهو ما جعلها وسيلة مناسبة للتواصل الشفهي بعيدًا عن الأساليب التقليدية للشفرة.

وصلت الفكرة إلى المستويات القيادية في القوات المسلحة، ثم إلى رئاسة الأركان، قبل أن تصل إلى الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي طلب لقاء إدريس للاستماع إلى تفاصيل الفكرة بنفسه.

لقاء أحمد إدريس بالرئيس السادات

استعاد أحمد إدريس في رواياته التي تم إذاعتها في إحدى اللقاءات الإعلامية، تفاصيل اللقاء الذي جمعه بالرئيس الراحل أنور السادات، موضحًا أنه شعر خلال المقابلة بأن السادات يعامله ببساطة وأبوية.

وسأله الرئيس عن إمكانية استخدام اللغة النوبية في عمليات الإرسال والاستقبال، ليشرح إدريس أن الاتصالات يمكن أن تتم باللهجة النوبية، ليأتي رد السادات بالموافقة على الفكرة.

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في استخدام اللغة النوبية ضمن منظومة الاتصالات العسكرية المصرية.

 

344 نوبيًا في قلب الاستعداد للحرب

مع اقتراب موعد المواجهة، لم تعد الفكرة مجرد اقتراح، وإنما دخلت ضمن الاستعدادات للحرب.

ويروي إدريس أنه بعد عودته من إجازته تلقى تعليمات بالحضور إلى قيادة الجيش بكامل مهماته، وهناك وجد نحو 344 فردًا نوبيًا.

وبحسب روايته، جرى توزيع هؤلاء الأفراد ضمن منظومة العمل والاستطلاع في سيناء، وكانت مهمتهم مرتبطة برصد التحركات وتحديد أعداد المركبات في المناطق المختلفة.

كما جرى استخدام أسماء نوبية لبعض المحطات، مع وجود أفراد يتحدثون النوبية إلى جانب القيادات والوحدات المختلفة، بما ساعد على الحفاظ على سرية الاتصالات.

 

يوم العبور

 

في السادس من أكتوبر 1973، انطلقت العملية العسكرية المصرية، وعبرت القوات المسلحة قناة السويس في واحدة من أبرز العمليات العسكرية في القرن العشرين.

وبينما كانت القوات المصرية تخوض معاركها على الضفة الشرقية للقناة، كانت منظومة الاتصالات والتمويه تؤدي دورها في الحفاظ على سرية التحركات والأوامر.

ويرتبط اسم أحمد إدريس بهذه المنظومة باعتباره صاحب فكرة استخدام اللغة النوبية كوسيلة للاتصال، وهي القصة التي جعلت منه واحدًا من الأسماء البارزة المرتبطة بأسرار حرب أكتوبر.

 

لماذا كانت اللغة النوبية مهمة؟

تكمن أهمية استخدام اللغة النوبية، وفق الرواية المتداولة، في كونها لغة غير مألوفة بالنسبة للجانب الإسرائيلي، وهو ما جعل فهم الاتصالات التي تتم بها أمرًا بالغ الصعوبة.

وبذلك تحولت لغة محلية يتحدث بها أبناء النوبة إلى جزء من قصة عسكرية أكبر، ارتبطت بالتخطيط والتمويه والحفاظ على سرية الاتصالات خلال الحرب.

ولم يكن الانتصار المصري في أكتوبر نتيجة عامل واحد، وإنما جاء حصيلة منظومة متكاملة من التخطيط والاستعداد والخداع الاستراتيجي والعمل العسكري، وكان أحمد إدريس واحدًا من أصحاب القصص التي ارتبطت بهذا الجانب من الحرب.

 

رحيل صاحب «الشفرة النوبية»

بعد سنوات طويلة من الخدمة والحياة، رحل أحمد إدريس في 21 سبتمبر 2021 بمحافظة الإسكندرية، تاركًا وراءه قصة ارتبطت بواحدة من أهم المحطات في التاريخ العسكري المصري.

وبقي اسمه حاضرًا مع كل ذكرى لحرب أكتوبر، ليس باعتباره مجرد جندي شارك في الحرب، وإنما باعتباره صاحب فكرة ارتبطت، في الرواية المتداولة، بأحد أسرار الاتصالات والتمويه التي سبقت معركة العبور.

تم نسخ الرابط