حين تعجز الشائعة عن صناعة الفتنة في الشارع، تبحث عن طريق آخر إلى الناس. وحين تفشل محاولات شق الصف وإثارة العداوة بين أبناء الوطن، تنتقل المعركة إلى مكان أكثر خفاءً: شاشة الهاتف، وحساب مجهول، وصفحة لا يعرف أحد من يقف وراءها، ثم تبدأ عملية طويلة من التضليل والتشكيك وتزييف الوقائع.
هذه ليست مبالغة في وصف الخطر. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ميدانًا حقيقيًا للصراع على الوعي، وقد شهدت السنوات الأخيرة حملات استغلت الحسابات الوهمية والهويات المجهلة والقضايا الحساسة لبث الفرقة والوقيعة بين الناس.
والذين أدركوا أن المجتمع المصري أكثر تماسكًا من أن تهزه شائعة عابرة، وأن محاولات اللعب على الوتر الطائفي لا تجد في هذا البلد البيئة التي يتمنونها، لم يتخلوا بالضرورة عن محاولاتهم، وإنما تغيرت الأدوات والأساليب. صار التشكيك أكثر حضورًا، والتزييف أكثر براعة، وانتقاء الوقائع أكثر خبثًا، وتحولت بعض المنصات إلى ستائر كثيفة يختبئ خلفها من يريد أن يؤثر في الناس دون أن يظهر وجهه.
لم تعد المعركة، إذن، في الشارع وحده؛ جزء كبير منها انتقل إلى العقول.
والعقل هو الهدف الأسهل حين يعتاد الإنسان استقبال المعلومة قبل أن يسأل عن مصدرها.
قديمة هي الحيلة: لا تقل للناس ما تريدهم أن يصدقوه مباشرة، بل ازرع في نفوسهم الشك فيما يريدون أن يثقوا به. لا تحتاج إلى أن تثبت كذبة كاملة؛ يكفي أحيانًا أن تكرر سؤالًا ملغومًا، أو تعرض صورة مبتورة، أو تقتطع جملة من سياقها، أو تقدم رواية ناقصة، ثم تترك للناس مهمة إكمال الحكاية.
وهكذا يصبح التضليل أكثر خطورة من الكذب الصريح.
فالكذبة الصريحة يمكن كشفها، أما المعلومة الملتبسة فتظل معلقة في الذهن، لا يستطيع صاحبها أن يثبتها ولا يستطيع المتلقي أن ينفيها، لكنها تؤدي غرضها: زرع الشك.
وهذه هي إحدى أكثر الأدوات استخدامًا في معارك التأثير الرقمي: لا تحاول دائمًا أن تقنع المواطن بأن ما أمامه حقيقة، يكفي أن تجعله يشك في الحقيقة نفسها.
وحين يتكرر الأسلوب، يبدأ الإنسان في النظر إلى كل شيء بعين الريبة، فيفقد القدرة على التمييز بين النقد والتشويه، وبين السؤال المشروع والاتهام، وبين الخبر والتحريض.
وقد شهدت مصر بالفعل حالات موثقة لنشر محتوى تحريضي ومسيء عبر منصات التواصل، كما صدرت خلال 2026 إجراءات بحق حسابات قالت السلطات إنها استخدمت المنصات في نشر محتوى تحريضي يثير الفتنة بين المصريين.
لكن المسألة لا تتوقف عند حساب أو صفحة أو فيديو.
المسألة في المنهج نفسه.
منهج يقوم على التزييف حين يعجز صاحبه عن تقديم الحقيقة، وعلى التشكيك حين يعجز عن تقديم الدليل، وعلى إثارة الغضب حين لا يملك حجة، وعلى إعادة تدوير المعلومة حتى يظن الناس أن كثرة تكرارها جعلتها حقيقة.
وما أكثر ما رأينا في السنوات الماضية أخبارًا وصورًا ومقاطع فيديو يعاد استخدامها خارج سياقها، أو معلومات قديمة تقدم باعتبارها جديدة، أو روايات يجري تركيبها من أجزاء صحيحة للوصول إلى نتيجة كاذبة. وقد حذر خبراء مصريون بالفعل من استخدام فيديوهات مزيفة ومحتوى مفبرك للمساس بالأمن وإثارة البلبلة.
وهنا ينبغي أن نكون أكثر صراحة: هناك فارق هائل بين المعارضة والتضليل، وبين النقد والتزييف، وبين أن تختلف مع الدولة أو الحكومة في سياسة أو قرار، وبين أن تختلق واقعة لتضرب ثقة الناس في مؤسسات بلدهم.
النقد حق، أما اختلاق الوقائع فليس نقدًا.
والاختلاف السياسي لا يحتاج إلى كذبة، كما أن الدفاع عن الدولة لا يحتاج إلى تجاهل الحقيقة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجال العام أن تتحول الحقيقة نفسها إلى مادة للمساومة؛ يصدقها الإنسان عندما توافقه، وينكرها عندما تخالفه. عندها يصبح كل شيء قابلًا للتزييف، ويصبح العقل أرضًا مفتوحة لمن يملك القدرة على إثارة الغضب والخوف.
ومن هنا فإن مواجهة ما يمكن وصفه بحملات التضليل الإلكتروني لا ينبغي أن تتحول إلى معركة شعارات، وإنما إلى معركة وعي ومعلومة.
على الدولة أن تقدم المعلومات بوضوح وفي الوقت المناسب، وعلى الإعلام أن يتحقق قبل أن ينقل، وعلى المواطن أن يتوقف قليلًا قبل أن يمنح منشورًا مجهولًا سلطة الحقيقة.
أما أولئك الذين يختبئون خلف الحسابات المجهلة، ويعتمدون على التشويه والتزييف والتحريض، فإن أقوى ما يمكن مواجهتهم به ليس الصراخ، وإنما كشف أساليبهم.
فالأسلوب يفضح صاحبه أحيانًا أكثر مما يفضحه الاسم.
حين تتكرر القصة نفسها، وتتغير الوجوه ويبقى الأسلوب، وحين تتكرر الشائعة ذاتها بصيغ مختلفة، وحين تتحول كل واقعة إلى مناسبة للتشكيك، وكل حادث إلى فرصة لإثارة الفتنة، وكل خطأ فردي إلى اتهام لمؤسسات بأكملها، يصبح من حق القارئ أن يسأل: لماذا تتكرر هذه الطريقة في صناعة الرسائل؟
لا ينبغي أن نمنح أصحاب التضليل ما يريدون: أن ننشغل بالستارة وننسى من يحركها.
فالسوشيال ميديا ليست في ذاتها عدوًا، وإنما الخطر في استخدامها لتزييف الوعي. وهي في الوقت نفسه يمكن أن تكون أداة لكشف الكذب كما يمكن أن تكون أداة لنشره. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع التكنولوجيا، وإنما مع طريقة استخدامها.
ولعل أهم ما يجب أن نفهمه أن مصر ليست بحاجة إلى أن تدخل في كل معركة تُلقى أمامها، ولا أن ترد على كل شائعة، ولا أن تسمح لمن يريدون جرها إلى الفتنة بأن يحددوا لها ميدان المواجهة.
لقد أثبت المجتمع المصري في محطات كثيرة أن روابطه أعمق من حملات التحريض، وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة الانقسام، وأن الفتنة لا تجد طريقها بسهولة إلى مجتمع يعرف معنى الدولة والوطن.
ولهذا تغيرت الأدوات.
من يريد التأثير في الشارع قد يحاول التأثير في الهاتف أولًا.
ومن يريد زعزعة الثقة قد يبدأ بإشاعة صغيرة.
ومن يريد صناعة أزمة قد يبدأ بسؤال يبدو بريئًا، ثم يكرر السؤال حتى يصبح اتهامًا.
وهنا تحديدًا يجب أن ينتبه المواطن.
لا تصدق لأن الخبر غاضب، ولا ترفض لأن الخبر لا يعجبك. لا تجعل الصورة دليلًا قبل أن تعرف مصدرها، ولا تجعل كثرة التعليقات برهانًا على الحقيقة، ولا تسمح لحساب مجهول بأن يحدد لك ماذا تحب وماذا تكره، ومن تثق به ومن تشك فيه.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله التضليل أن يجعل المواطن يفقد ثقته في كل شيء.
وهذا هو الهدف الذي ينبغي أن نفهمه ونقاومه: ألا تتحول الشكوك المصطنعة إلى يقين، وألا يتحول التزييف المتكرر إلى ذاكرة عامة، وألا يصبح الكذب المتداول أكثر حضورًا من الحقيقة الصامتة.
فالمعركة في نهاية الأمر ليست بين حساب وحساب، ولا بين صفحة وصفحة.
إنها معركة على عقل الإنسان.
ومن يملك عقله لا يستطيع أحد أن يقوده بشائعة، ومن يعرف كيف يسأل لا يسهل أن يخدعه من يختبئ خلف شاشة، ومن يطلب الدليل قبل التصديق يغلق الطريق أمام كل من جعل التضليل مهنة، والتشكيك وسيلة، والفتنة غاية.
ولذلك فإن الرد الأقوى على الذين يعملون خلف ستائر السوشيال ميديا ليس أن نبحث عنهم خلف كل شاشة، وإنما أن نمنعهم من الوصول إلى عقولنا أصلًا.
فحين يفشل التزييف في خداع الوعي، تفقد الشائعة قوتها، وحين يسقط التضليل أمام الحقيقة، تسقط معه كل الستائر التي احتمى خلفها صانعوه.
هنا جعلت الهجوم أشد على منهج التضليل نفسه، وأدخلت فكرة «الستائر» و«التشكيك» و«تغيير الأدوات» بشكل محوري، مع تجنب الجزم غير الموثق بمن يمول هذه الشبكات أو تحديد جهات بعينها. وهذا يجعل المقال أقوى مهنيًا وأصعب في الطعن فيه.