عاجل

في لحظة فارقة تصاغ فيها خرائط القوة بالحديد والسياسة، لم تكن استضافة العلمين الجديدة للرؤساء عبد الفتاح السيسي، وأسياس أفورقي، وحسن شيخ محمود، والفريق أول عبد الفتاح البرهان، مجرد لقاء هامشي بالفعاليات الأفريقية، بل إنها تشكيل علني لـ "مهندس الردع الجديد" في واحد من أكثر الممرات المائية والجيوسياسية التهابا في العالم.
و مع خروج السياسة من أروقة التهدئة إلى "التطويق المباشر"، تأتي القمة في أعقاب تصعيد أديس أبابا الدبلوماسي الحاد وطردها للدبلوماسيين الإريتريين والمصريين، هذا السلوك الإثيوبي يقرأ استخباراتيا على أنه رد فعل ذعر ناتج عن إدراك أديس أبابا بأن أوراق اللعبة قد تغيرت. فلم تعد القاهرة تتعامل مع أزمات "سد النهضة" أو "الانتهاكات الإثيوبية لسيادة الصومال" كملفات منفصلة، بل صهرت هذه الأزمات في قالب أمني موحد: أي تهديد لسيادة أي دولة من الأربع، هو تهديد مباشر لمعادلة الأمن القومي الجماعي.

و لعل غياب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن المشهد يجسد مثلث الحصار  و العزلة الإثيوبية
إن ليس مجرد قطيعة، بل هو تجسيد لاستراتيجية التهميش التي فرضها المحور الجديد. و تدرك الاستخبارات الإقليمية أن إثيوبيا تعاني من غليان داخلي يمتد من تيغراي إلى أمهرة وعفار؛ ومن ثَم فإن التقاء مصر والسودان وإريتريا والصومال في حلفٍ سياسي-أمني محكم، يحجم طموحات أديس أبابا للتمدد البحري ويجعل سياستها الخارجية في حالة انكشاف استراتيجي كامل، و عن هندسة أمن البحر الأحمر، الحراس الأصليون يرفضون الوكالة

إن الملف الملاحي في باب المندب وخليج عدن يتجاوز في القمة مجرد التصدي للهجمات الحوثية؛ إنه يتعلق بتحديد، من يملك حق إدارة هذا الممر المائي بوجود مصر وإريتريا والصومال، يمثل هذا التكتل أطول شريط ساحلي مُطل على الممر الجنوبي للبحر الأحمر، فإن الرسالة الموجهة للقوى الدولية والإقليمية واضحة، أمن الملاحة لن يترك للتدخلات الخارجية أو للمغامرات الأحادية، بل سيدار بمعادلة سيادية تقودها الدول المشاطئة بنفسها.

و  الأزمات المتداخلة، منع سيناريو الدومينو
تدرك الدول الأربع أن تفكك الصومال أو انهيار مؤسسات الدولة في السودان أو اشتعال شمال إثيوبيا سيفجر تأثيراً متسلسلا، يستغله الإرهاب والفاعلون من غير الدول. من هنا، تجاوزت القمة لغة البيانات لتضع اللبنات الأولى لغرفة عمليات أمنية مشتركة تهدف إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتأمين الحدود المتاخمة، وضمان سيادة الدول على أراضيها بعيدا عن أوهام الكانتونات المنفصلة.
خلاصة الاستراتيجية:
فإن قمة العلمين لم تعقد لمنع الانفجار فحسب، بل لتحديد اتجاه الانفجار إذا ما وقع. لقد انتقل إقليم القرن الأفريقي والبحر الأحمر من مرحلة إدارة الأزمات إلى فرض التوازنات الصلبة، فمن لا يستوعب متغيرات لحظة العلمين اليوم، سيجد نفسه معزولا ومحاصرا بالحقائق الجغرافية والسياسية الجديدة غدا
و بعيدا عن الأطر الدبلوماسية التقليدية، تمثل قمة العلمين تدشيناً لمفهوم الأمن الإقليمي الممتد الذي يعيد صياغة معادلة القوة في شرق إفريقيا والبحر الأحمر؛ إذ لم تعد القاهرة تكتفي بإدارة الأزمات عبر سياسة استيعاب الصدمات، بل انتقلت استراتيجيا إلى مرحلة صناعة المصدات المتقدمة
إن اندماج المصالح الأمنية بين العواصم الأربع (القاهرة، أسمرة، مقديشو، والخرطوم) يفرض واقع جيوسياسي جديد يحظر الاستفراد بأيٍّ منها؛ حيث يلتقي الساحل الممتد من بورتسودان مروراً بـ مصوع وصولاً إلى مقديشو في شريط أمني واحد يطوق أوهام التوسع الأحادية.
 
استخباراتيا، تعكس هذه التحركات دراسة دقيقة لـ نقاط الهشاشة الإقليمية؛ فالتحالف لا يستهدف فقط مجابهة الضغوط الخارجية، بل يعمل كغرفة إنذار مبكر لضمان استقرار الممرات البحرية وحماية الشرعية السيادية ضد مشاريع التقسيم أو صفقات الموانئ الموازية. وبذلك، فإن قمة العلمين لا تتوقف عند حدود التنسيق السياسي، بل تسقط من الحسابات أي استراتيجية تحاول شل الإرادة الوطنية لهذه الدول عبر إغراقها في أزمات داخلية متعاقبة، في النهايه، تعد القمه تعبير عن إدراك مشترك بأن القرن الأفريقي والبحر الأحمر يدخلان مرحلة إعادة تعريف موازين القوى، وأن الدول التي لا تنسق مواقفها اليوم قد تجد نفسها أمام حقائق ميدانية ودبلوماسية مفاجأة غدا.

تم نسخ الرابط