عاجل

هل مصر دولة اشتراكية أم رأسمالية؟ سؤال يتكرر كثيرًا، لكن الحقيقة أن الإجابة أكبر من مجرد اختيار أحد المصطلحين.

فقد مرت مصر بتحولات اقتصادية عميقة، من اقتصاد تقوده الدولة وتملك فيه قطاعات واسعة، إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا وتنوعًا، يجمع بين الملكية العامة والخاصة والتعاونية، ويعمل وفق آليات السوق مع استمرار الدولة في أداء أدوارها الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية.

بعد ثورة 23 يوليو 1952، توسع دور الدولة في الاقتصاد من خلال الإصلاح الزراعي والتأميم وإنشاء وتوسيع القطاع العام، وأصبحت الدولة لاعبًا رئيسيًا في الإنتاج والتصنيع والتجارة والخدمات.

ثم جاءت مرحلة الرئيس الراحل أنور السادات وسياسة الانفتاح الاقتصادي، وتوسعت مساحة القطاع الخاص والاستثمار والانفتاح على الاقتصاد العالمي، قبل أن تتطور التجربة لاحقًا إلى برامج الإصلاح الاقتصادي وإعادة الهيكلة والخصخصة، وصولًا إلى المرحلة الحالية التي أصبح فيها القطاع الخاص عنصرًا رئيسيًا في النشاط الاقتصادي، مع استمرار الدولة في امتلاك وإدارة أصول وقطاعات استراتيجية.

ومن هنا، فإن مصر لم تنتقل بين ليلة وضحاها من الاشتراكية إلى الرأسمالية، وإنما مرت بمراحل متتالية أعادت خلالها الدولة والقطاع الخاص توزيع الأدوار داخل الاقتصاد.

وهنا يأتي الدستور ليضع الإطار الحاكم.

فالمادة 27 تربط النظام الاقتصادي بتحقيق الرخاء والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، ورفع مستوى المعيشة وزيادة فرص العمل وتقليل البطالة والقضاء على الفقر، كما تؤكد دعم التنافسية وتشجيع الاستثمار ومنع الممارسات الاحتكارية وضبط آليات السوق.

وهذا يعني أن الدستور يعترف بالسوق، لكنه لا يتركه بلا ضوابط، ويشجع الاستثمار والقطاع الخاص، لكنه لا يلغي دور الدولة، ويقر الملكية الخاصة، لكنه يحمي كذلك الملكية العامة والتعاونية.

وتؤكد المادة 33 أن الدولة تحمي الملكية العامة والخاصة والتعاونية، وهو ما يكشف بوضوح أن الدستور لم يختر نموذجًا يقوم على نوع واحد من الملكية، وإنما أقر بتعدد أشكالها.

ومن هنا يمكن القول إن التعبير الأدق عن الاقتصاد المصري هو اقتصاد متعدد الملكيات، يقوم على آليات السوق المنظمة، مع استمرار الدولة في أداء أدوارها الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية.

فالقطاع الخاص ليس عدوًا للدولة، والدولة ليست بالضرورة منافسًا للقطاع الخاص.

القطاع الخاص يستطيع أن يستثمر وينتج ويوفر فرص العمل ويرفع الإنتاجية، بينما تقوم الدولة بوضع القواعد المنظمة، وحماية المنافسة، ومنع الاحتكار، وحماية المستهلك والعامل، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وهنا يجب التأكيد على حقيقة مهمة: اقتصاد السوق لا يعني غياب الدولة.

فحتى الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على القطاع الخاص تحتاج إلى دولة قوية تضع القواعد وتضمن المنافسة وتحارب الاحتكار وتوفر الخدمات العامة وتحمي المصلحة العامة.

كما أن العدالة الاجتماعية لا تعني أن يحصل الجميع على الدخل نفسه، وإنما تعني تكافؤ الفرص، ومواجهة الفقر والبطالة، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا، وضمان الحصول على الخدمات الأساسية.

والضرائب بدورها تمثل موردًا أساسيًا لتمويل الخدمات العامة والتنمية والحماية الاجتماعية، لكن العدالة الضريبية تتطلب التوازن بين حق الدولة في مواردها وحق المواطن والمستثمر في منظومة واضحة وعادلة ومستقرة.

وكذلك فإن حماية العامل والمستهلك ليست قضية جانبية، وإنما جزء من نجاح أي نظام اقتصادي؛ فلا اقتصاد قويًا دون عامل يحصل على حقوقه، ولا سوقًا ناجحًا دون مستهلك محمي من الغش والاحتكار والممارسات الضارة بالمنافسة.

أما الاستثمار، المحلي والأجنبي، فيحتاج قبل رأس المال إلى الثقة؛ والثقة لا تُبنى إلا بقواعد واضحة واستقرار تشريعي وعدالة في المنافسة وسرعة في الإجراءات وحماية للحقوق.

وفي ملف أصول الدولة، يجب كذلك التمييز بين الملكية والإدارة والاستثمار؛ فدخول القطاع الخاص في إدارة أو استثمار أحد الأصول لا يعني بالضرورة تخلي الدولة عن دورها، وإنما يجب تقييم كل عملية وفق أهدافها وشفافيتها وعائدها الاقتصادي وتأثيرها على المال العام والإنتاج والتشغيل والمنافسة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الدولة المصرية وجهودها بقيادة فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني ومواصلة مسار الإصلاح الاقتصادي، رغم الظروف والتحديات الصعبة التي يشهدها العالم أجمع، وما فرضته الأزمات الدولية والإقليمية من ضغوط على اقتصادات الدول، سواء من خلال اضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد أو ارتفاع تكاليف الطاقة والسلع أو تداعيات الصراعات والتوترات الجيوسياسية.

وقد أكدت الدولة مواصلة الإصلاحات المالية والاقتصادية بهدف دعم الاستقرار المالي والاقتصادي وتحفيز نمو القطاع الخاص، مع الحفاظ على النشاط الاقتصادي والإنتاج والتصنيع والتصدير، واتباع سياسات مالية تستهدف دعم الاستثمار ورفع كفاءة الإنفاق والاستثمار العام وتعظيم أثر المشروعات التنموية.

كما تتجه الدولة إلى تعزيز دور القطاع الخاص باعتباره شريكًا رئيسيًا في التنمية، بما يحقق التكامل بين إمكانات الدولة وقدرات القطاع الخاص، ويخلق مزيدًا من فرص العمل ويعزز الإنتاجية والتنافسية ويدعم قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة المتغيرات العالمية.

وفي هذا الإطار، تأتي الاستراتيجية الوطنية للصناعة 2026–2030، التي أُعدت بالشراكة مع القطاع الخاص، وتستهدف بناء قاعدة صناعية متكاملة وتعزيز تنافسية الصناعة المصرية وزيادة الصادرات غير البترولية، إلى جانب تنمية الصناعات الصغيرة والمتوسطة وتعميق التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة.

كما أن توطين الصناعة وتعميق المكون المحلي يمثلان أحد أهم المسارات لبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الخارجية؛ فكلما زادت قدرة الدولة على إنتاج احتياجاتها الأساسية ومدخلات الإنتاج محليًا، قل تعرض الاقتصاد لتقلبات الأسواق العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد.

ولا يقتصر بناء الاقتصاد القوي على الصناعات الكبرى وحدها، وإنما يمتد إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، باعتبارها من المكونات المهمة للنشاط الاقتصادي، وقد نص الدستور على اهتمام الدولة بها وتشجيعها، لما لها من دور في زيادة الإنتاج وخلق فرص العمل وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي.

كما أن دعم المنتج المصري وتعظيم القيمة المضافة يجب أن يكونا جزءًا من رؤية اقتصادية متكاملة، بحيث لا يكون الهدف مجرد زيادة حجم الإنتاج، وإنما إنتاج سلع وخدمات قادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية، وزيادة الصادرات وتقليل الاعتماد غير الضروري على الواردات.

ومن هنا تأتي أهمية الصناعة والزراعة والخدمات والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي، باعتبارها قطاعات متكاملة يمكن أن تدعم بعضها البعض، وتخلق سلاسل قيمة محلية تزيد من قدرة الاقتصاد على النمو المستدام.

ولا يمكن الحديث عن قوة الاقتصاد الوطني دون الحديث عن الأمن الغذائي والمائي والطاقة؛ فالأمن الاقتصادي في عالم اليوم لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات ورؤوس الأموال، وإنما يرتبط كذلك بقدرة الدولة على تأمين احتياجات مواطنيها الأساسية، وتنويع مصادر الطاقة والغذاء، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على الخارج.

كما أصبح الأمن السيبراني جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الاقتصادي، خاصة مع التوسع الكبير في الخدمات الرقمية والمدفوعات الإلكترونية والاقتصاد الرقمي، وحماية البيانات والبنية التحتية الرقمية، بما يجعل حماية الفضاء السيبراني جزءًا من حماية الاقتصاد والأمن القومي.

وهنا تبرز أهمية الأمن والاستقرار باعتبارهما من أهم مقومات التنمية الاقتصادية؛ فلا استثمار مستقرًا دون بيئة آمنة، ولا إنتاج مستدامًا دون استقرار، ولا حركة تجارية منتظمة دون حماية للبنية الأساسية والموانئ والطرق والمرافق، ولا ثقة للمستثمر دون قدرة الدولة على حماية مؤسساتها ومصالحها وأمنها القومي.

ومن ثم فإن الأمن والاستقرار ليسا منفصلين عن الاقتصاد، وإنما يمثلان بيئة أساسية لعمل الاقتصاد؛ فالمستثمر يحتاج إلى الثقة، والمصنع يحتاج إلى الاستقرار، والعامل يحتاج إلى بيئة آمنة، والمواطن يحتاج إلى حماية اقتصاده ودخله ومستقبله.

وقد جعلت الدولة المصرية، ضمن تكليفات الحكومة في عام 2026، الأمن القومي والسياسة الخارجية والتنمية الاقتصادية والإنتاج والطاقة والأمن الغذائي وبناء الإنسان محاور مترابطة للعمل الحكومي، بما يعكس ارتباط هذه الملفات ببعضها البعض وعدم إمكانية النظر إلى التنمية الاقتصادية بمعزل عن الأمن والاستقرار وبناء الإنسان.

وفي الوقت نفسه، فإن قوة الاقتصاد لا تعني فقط تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وإنما تعني كذلك أن يكون هذا النمو مستدامًا وشاملًا، وأن ينعكس على فرص العمل ومستوى المعيشة والخدمات الأساسية، وأن تتسع قاعدة المستفيدين من النشاط الاقتصادي.

كما أن الاستثمار في الإنسان يظل أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية؛ فالتعليم والتدريب والصحة والمهارات الحديثة ليست مجرد خدمات اجتماعية، وإنما استثمارات حقيقية في رأس المال البشري، ترفع الإنتاجية وتزيد قدرة الاقتصاد على المنافسة.

ومن هنا فإن الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة والتحول نحو أنماط إنتاج أكثر كفاءة في استخدام الموارد تمثل كذلك جزءًا من مستقبل الاقتصاد المصري، خاصة في ظل التحولات العالمية نحو التنمية المستدامة والاقتصاد منخفض الانبعاثات، وما تتيحه هذه المجالات من فرص للاستثمار والصناعة والتكنولوجيا وخلق فرص عمل جديدة.

وفي ملف أصول الدولة، يجب كذلك التمييز بين الملكية والإدارة والاستثمار؛ فدخول القطاع الخاص في إدارة أو استثمار أحد الأصول لا يعني بالضرورة تخلي الدولة عن دورها، وإنما يجب تقييم كل عملية وفق أهدافها وشفافيتها وعائدها الاقتصادي وتأثيرها على المال العام والإنتاج والتشغيل والمنافسة.

كما أن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص لا تعني إلغاء دور أي طرف، وإنما تعني توزيع الأدوار بصورة تحقق أفضل استخدام للموارد والإمكانات؛ فالدولة تضع القواعد وتوفر البيئة والبنية الأساسية وتحمي المنافسة والمصلحة العامة، بينما يستطيع القطاع الخاص ضخ الاستثمارات وتطوير الإدارة والتكنولوجيا وزيادة الإنتاج والتشغيل والتصدير.

وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس: هل مصر اشتراكية أم رأسمالية؟

السؤال الحقيقي هو: كيف نبني اقتصادًا قويًا ومنتجًا وتنافسيًا وعادلًا، يشعر المواطن بثمار نموه؟

فالمواطن لا يعنيه كثيرًا اسم النظام الاقتصادي بقدر ما يعنيه أن يجد فرصة عمل، ودخلًا عادلًا، وسعرًا مناسبًا، وخدمة جيدة، ومستقبلًا أكثر أمانًا.

وهنا تتضح فلسفة الدستور: الدولة تضع القواعد وتحمي المصلحة العامة، والسوق يحرك عجلة الإنتاج، والقطاع الخاص يستثمر، والعامل ينتج، والمواطن يجب أن يكون المستفيد الأول من ثمار التنمية.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد المصري: أن يتحول النص الدستوري إلى واقع اقتصادي يحقق النمو والاستثمار والمنافسة والعدالة الاجتماعية في آن واحد.

تم نسخ الرابط