عاجل

اعتاد البعض منّا أن ينتظر الحصاد دون أن يغرس بذور النشأة، فيما اعتاد آخرون أن يغرسوا تلك البذور ثم يضعون أيديهم على خدودهم في انتظار أن تمطر السماء فتخرج لهم زرعًا دون كَلٍّ أو تعب، متناسين قاعدة تربينا عليها جميعًا منذ صغرنا تقول: «من زرع حصد»، والزرع هنا لا يكون مُجرد سببية الإيجاد، وإنما يكون بمفهومه الشامل وهو زرعٌ ورعاية وجِذُ واجتهاد، هذا الفهم المتكامل ذاق نتيجة حلاوته من أبلى بلاءً حسنًا في الأداء فبُشِّرَ بحسن العطاء.
ما سبق مشهد تمثيلي أردت أن يكون بمثابة أنموذج ملموسٍ وتنبيه محبٍّ لكل من أنجب ثم أهمل، عندما اجتهد في توفير أسباب إنجاب الأبناء، وما أن استقبلتهم الدنيا، ظنّ هذا أنه قد أكمل رسالته ودوره، ولا يدري أنه بتركه لجُلِّ هذه الرسالة قد ابتلى المجتمع بأجيال تفوق تكلفة فواتير خسائرهم السلوكية ما لا تتحمله موازنات دول بأكملها، على عكس من أكمل المسيرة فشكر الله له حسن التربية وجزاه ببركة العطاء، وخلَّد المجتمع اسمه في قائمة حسن الإنتاج.

وهنا يسنحب الحال أيضًا لكل من تولى مسؤولية قومٍو فولي أمرهم ثم راح وتركهم، فغرَّد بعيدًا عن آمالهم وأحلامهم، ولكل من باع سلعةٍ، وفشل في خدمة ما بعد البيع، ولكل من أوهم الناس بما يقدمه وهو زرعٌ هشٌّ ينتهي عمره الزمني قبل أن يبدأ.

فيا أيها المقصِّر في أداء كل تكليف تربوي، الإخلاص لكل مسؤولية مجتمعية أو وطنية، إذا كنت تعرف نتيجة تقصيرك ولا تتخذ قرارًا يقيك ومجتمعك سلبية إهمالك فتلك مصيبة، وإن كنت لا تعرف فالمصيبة أعظم.

وأيها العاقّ لأبنائه، اعلم بأن الإهمال في التربية عقوق لا يقل جُرْمه عن عقوق الأبناء لآبائهم، بل انظر بقلبك وأمعن النظر بعين معرفتك بتاريخ من سبقونا؛ كيف ربّوا أبنائهم على الرجولة والشهامة والمسئولية والقيم والأخلاق؟، فكانوا خير مثال لأجيال بنَتْ حضارةً وارتقت بأمة.

ولعلَّ سيرة الصحابة الأطهار -رضوان الله عليهم-، والتابعين تعجُّ بمثل هذه النماذج العظيمة، فها هو "أسامة بن زيد" الذي لم يتجاوز العشرين من عمره  يوليِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادة الجيش، وفي الجيش عظام من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ليقود أسامة المسيرة، إنها تربية على استشعار المسئولية، بل إنها صناعة الرجال، فمن منّا قرر أن يقيم في بيته مصنعًا، ولسان حاله يقول ربِح الاستثمار، بل ربحت البيعة وعظُمت التجارة.

القارئ الكريم! هل سألت نفسك يومًا ما عن أمانة العطاء؟ وإذا كانت تلك الأمانة تقتضي أن يكون عطاؤك بلا حدود، فهل بحثت عن الأمانة في طفلك قبل أن يواجه المجتمع بسلوكياته؟ وهل فتَّشت بداخله عن المسئولية، والرغبة في الاقتداء؟ وهل ربَّيته على أداء الحقوق لأصحابها؟ وهل أجريت مسحًا شاملًا يكشف عن مهاراته في القيم تؤهله لأن يحترم ذاته قبل غيره، وأن يكون صالحًا لأن يؤسس بيتًا سويًّا ينفع الناس فيمكث في الأرض؟ كلنا يستطيع أن يجيب بل ويقيِّم نفسه ليرى مكانته في ميزان المربِّين، وكلنا يعرف تمام المعرفة أن التنشئة ليست تنشئة الجسد بخير الطعام وحسن الشراب، ولكنها تنشئة القلب الذي إذا صَلُحَ، صلح سائر الجسد، وإذا فسد أفسد سائر المجتمع، فهل ترْضى أن تكون أنت بتربيتك هذه «القشة» التي قصمت ظهر هذا المجتمع؟!، وهل تعتقد أنك عندما تلقى ربّك ستُسأل عن نفسك دون من كُلِّفت مسئوليته؟!.

ثم بعيدًا عن التراشق بالمسئولية، فالقول حسم، والعمل فضيلة، والمسئولية مشتركة، لا أعفي منها أحدًا، وتنشئة الأجيال دائرة مغلقة إذا اختلَّ أحد أركانها مُحِقت بركة شمولها، فالرجل في بيته صانع رئيس، والمدرسة ومراكز الثقافة والنوادي ومراكز الشباب وسائل مساعدة، والإعلام يصدِّق ذلك أو يكذبه.

تم نسخ الرابط