قد نقرأ الخبر في دقائق، نحزن، نترحم على الضحايا، ثم ينتهي الأمر بالنسبة لنا.. لكن بالنسبة لأسرة فقدت اثنين من أبنائها اليوم في مياه بحر العباسي، فالحكاية لن تنتهي أبدًا!
فاجعة جديدة يصحو عليها مجلس قروي "شرشابة" بمركز زفتى؛ سيارة تُبتلع في قاع الترعة، ليُنتشل شابان في عمر الزهور جثتين هامدتين ، بينما يُنقذ الأب والأم من موت محقق بأعجوبة.
والسؤال هنا ليس فقط: كيف وقع الحادث؟ بل السؤال الأكثر إلحاحاً : كم مرة يجب أن تسقط سيارة في الترعة حتى نعتبر سقوط السيارات خطرًا متوقعًا يستوجب الوقاية، لا مجرد حادث عابر ؟
نحن لا نتحدث هنا عن مفاجأة، بل عن خطر معروف ومتكرر. فمنذ سنوات طويلة، و صرخة الأهالي مدوية بشأن غياب الحواجز بين الطريق ومجرى المياه، وضيق طريق (زفتى – المحلة)، وغيره من الطرق المختلفة بالمحافظة، وتكسرها وانتشار المنحنيات الخطرة عليه.كما شهدت مناطق بالغربية حوادث مماثلة ومختلفة .. ثم يأتي اليوم حادث جديد على الطريق نفسه!
وهنا يجب أن نضع الحقيقة أمام الأجهزة التنفيذية والنواب بلا تجميل: هناك فرق شاسع بين طريق يقع عليه حادث مروري عادي، وبين طريق تكون عواقب الخطأ فيه هي السقوط مباشرة في المياه. في الحالة الأولى قد تصطدم بسيارة، أما في الحالة الثانية.. فإنك تصطدم بالموت نفسه!
«حياة كريمة».. هل انتهت المشروعات أم بدأت مسؤولية جديدة؟
في أغسطس 2026 ، كان مركز زفتى حاضرًا بقوة في مشهد «حياة كريمة»، حيث زار رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي محافظة الغربية لتفقد وافتتاح عدد من المشروعات، وأُعلن عن اكتمال موقف مشروعات المرحلة الأولى والانتهاء من 876 مشروعًا تنمويًا بمركز زفتى. وهو أمر محوري لأن الهدف من المبادرة هو تحسين جودة حياة المواطن.
لكن هنا تحديدًا يجب أن نسأل: هل جودة حياة المواطن تعني أن نُنشئ الخدمة ونرصف الطريق، أم أن نضمن أيضًا أن يصل المواطن إلى هذه الخدمة ويعود إلى بيته سالمًا؟
فالطريق ليس مجرد طبقة أسفلت، الطريق منظومة سلامة تشمل العرض المناسب، الرؤية الواضحة، الإنارة، العلامات التحذيرية، والحواجز الخرسانية الجدارية عند المجاري المائية.
توجد في منظومة الطرق المصرية اشتراطات ومواصفات فنية تتعلق بعناصر الامان والحماية ..فهل تم تطبيق هذه الاشتراطات؟؟
أو ماذا حدث في التطبيق والالتزام والاستلام على أرض الواقع؟
من صمم؟ ومن راجع؟ ومن استلم طريقًا متاخماً للماء دون حواجز أمان؟ ومن أهمل الحفاظ علي أرواحنا؟
ومن هنا، نتوجه بنداء مباشر إلى السادة أعضاء مجلس النواب؛ هذا الملف لا يحتاج مجرد طلب إحاطة جديد يُضاف للأرشيف، بل يحتاج إلى متابعة تنفيذية حاسمة تكشف بوضوح عن الجدول الزمني لتنفيذ الحواجز والتوسعة والإنارة، ومحاسبة اللجان التي استلمت طرقاً غير آمنة.
عين الدولة ورؤية التنمية الحقيقية.
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد المشروعات التي أنجزناها، بل تُقاس أيضًا بعدد المخاطر التي اكتشفناها قبل أن تتحول إلى جنازات.
أن تبني مدرسة.. ثم تؤمّن الطريق إليها.
أن تبني وحدة صحية.. ثم تجعل الوصول إليها آمنًا.
أن ترصف الطريق.. ثم تحمي من يسير عليه من السقوط في الترعة.
هذه هي التنمية التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فالقرية ليست مجرد رقم في تقرير إنجاز، والمركز ليس مجرد خانة على خريطة، والطريق ليس مجرد كيلومترات تم رصفها.
خلف كل طريق بيت، وخلف كل سيارة أسرة، وخلف كل حادث أسماء ووجوه وأمهات وآباء وأبناء. والحاجز الخرساني الذي قد يبدو للبعض مجرد تكلفة إضافية، قد يكون بالنسبة لأسرة أخرى هو الفاصل الوحيد بين خبر عابر نقرؤه في الصحيفة، وبين بيت يعود إليه أبناؤه جميعًا سالمين.
اليوم مات شابان، ولا نملك أن نعيدهما إلى أسرتهما.. لكن ما زال بإمكاننا أن نجعل موتهما سببًا في ألا نقرأ غدًا خبرًا آخر بالعنوان نفسه: «سقوط سيارة جديدة في بحر العباسي»!
هذه المرة.. يجب ألا ننتظر الحادث القادم حتى نبدأ العمل.