عاجل

لم تعد الحروب الحديثة تبدأ بالضرورة بدوي المدافع، ولم يعد اختراق الحدود شرطًا لبداية اختراق الدول؛ ففي عالم تحكمه الشاشات الصغيرة والخوارزميات، انتقل جانب من الصراع إلى مساحة أكثر خفاءً وتعقيدًا: عقل المواطن نفسه، حيث يمكن أن تتحول المعلومة إلى ذخيرة، والشائعة إلى قذيفة، والحساب الوهمي إلى جندي بلا وجه، والمنصة الرقمية إلى غرفة عمليات لا تحتاج إلى أرض أو حدود.
وفي الحالة المصرية، اكتسب هذا النوع من المواجهة أهمية متزايدة مع التحولات التي أصابت جماعة الإخوان بعد عام 2013. 
وتشير دراسة لمؤسسة كارنيغي إلى أن هياكل الجماعة شهدت تحولات باتجاه وحدات أصغر وأكثر مرونة، مع استخدام الرسائل المشفرة ووسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني في الاتصال والتنظيم. 
وهكذا أصبح الفضاء الرقمي ساحة قائمة بذاتها؛ ساحة لا تدور المعركة فيها فقط حول: ماذا تقول؟ وإنما أيضًا حول: من يقول؟ ومن يقف خلفه؟ وكيف تنتشر الرسالة؟ ومن يدفع ثمن وصولها إلى وعي المواطن؟

حرب الشبكات

حين تصبح الحركة على الأرض أكثر صعوبة، تمنح البيئة الرقمية التنظيمات السياسية قدرة مختلفة على العمل؛ فالحدود الجغرافية تتراجع، والمسافة بين الخارج والداخل تنكمش إلى ضغطة زر، ويمكن لفرد في عاصمة أوروبية أو إقليمية أن يخاطب جمهورًا داخل القاهرة في اللحظة نفسها.
لكن الأهم، أن البنية الرقمية لا تحتاج دائمًا إلى الظهور تحت اللافتة السياسية الصريحة.
وهنا تبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا: حرب الواجهات.  
فالصفحة التي تحمل اسم جماعة سياسية معروفة، تستطيع غالبًا الوصول إلى جمهور يعرف مسبقًا هويتها وموقفها، أما منصة تقدم نفسها باعتبارها مستقلة، أو إخبارية، أو حقوقية، أو متخصصة في التحقق من المعلومات، فإنها تستطيع نظريًا مخاطبة جمهور أوسع لا ينتمي إلى معسكر سياسي محدد. 
وهذا هو جوهر ما يمكن تسميته "المنصات الرمادية"، وهي محاولة ممنهجة للفصل بين الرسالة والهوية الحقيقية لمن يصنعها أو يضخمها.

الدليل الرقمي

في تقريرها عن أكتوبر 2020، أعلنت Meta إزالة شبكة تضم 31 حسابًا على فيسبوك، و25 صفحة، وحسابين على إنستغرام، وقالت إن من يديرونها أفراد في مصر وتركيا والمغرب مرتبطون بجماعة الإخوان، وإن نشاطها استهدف جماهير في مصر وليبيا وتونس واليمن والصومال والسعودية. 
وتعرّف Meta ما تسميه "السلوك الزائف المنسق" (Coordinated Inauthentic Behavior) بأنه جهود منسقة للتلاعب بالنقاش العام لتحقيق هدف استراتيجي، تكون فيها الحسابات المزيفة عنصرًا أساسيًا في العملية.
وفي مؤشر رقمي يبرهن على ضخامة الاختراق السيبراني، كشفت شركة "ميتا" في تقرير رسمي عن تفكيك شبكة تابعة للتنظيم نجحت في محاصرة وعي أكثر من 13.7 مليون مستخدم عبر صفحاتها الرمادية. 
وتكشف البيانات الفنية للشركة عن رصد تدفقات مالية مشبوهة بلغت قرابة 167 ألف دولار جرى ضخها بالكامل على إعلانات فيسبوك الموجهة، لضمان ميكنة الشائعات وإيصالها قسراً إلى الكتلة السكانية المستهدفة.

القناع قبل الرسالة

لا تبدأ الرسالة الهدامة بالضرورة بدعوة سياسية مباشرة، بل قد تبدأ بخبر اقتصادي، أو شكوى اجتماعية، أو قصة إنسانية، أو محتوى حقوقي، أو حتى مادة ترفيهية. 
وقد وثقت Meta بالفعل شبكات استخدمت صفحات تنتحل صفة مؤسسات إخبارية محلية مستقلة، بينما كانت الحسابات التي تديرها تستخدم هويات مزيفة وتعمل بصورة منسقة.
وهنا تتحول الواجهة إلى جزء من الرسالة؛ فالمتلقي لا يتعامل فقط مع المعلومة، بل يتعامل معها وفق الصورة الذهنية التي كوّنها عن مصدرها. 
ومن ثم يصبح السؤال الأول الذي ينبغي أن يسبق تصديق أي منصة مجهولة البنية: من يملكها؟ ومن يديرها؟ ومن يمولها؟
استراتيجية الإنهاك.. من الأزمة إلى "الاحتقان التراكمي"

لا تحتاج عمليات التأثير الحديثة دائمًا إلى اختلاق خبر كامل من العدم؛ فالأكثر خبثاً أحيانًا هو الاستناد إلى جزء صحيح من الواقع: ارتفاع سعر، أو مشكلة خدمية، أو تصريح مسؤول، أو رقم اقتصادي، أو حادث فردي، ثم اقتطاعه من سياقه وإعادة تقديمه مرارًا وربطه بأحداث أخرى حتى تتشكل لدى المتلقي صورة أشد قتامة من الوقائع الأصلية.
وهنا تبدأ استراتيجية الإنهاك النفسي؛ فالهدف لا يصبح إقناع المواطن بشائعة واحدة، وإنما إبقاءه داخل دائرة متصلة من الغضب والقلق والإحباط:
 كل يوم أزمة.
 كل أزمة دليل على أزمة أكبر.
 كل تصريح شاهد جديد.
 وكل رقم يُعاد تدويره ليصبح جزءًا من سردية تخريبية واحدة.
وبذلك تنتقل الرسالة الهدامة تدريجيًا من:  »لدينا مشكلة ينبغي حلها  « إلى : » كل شيء يفشل.. ولا شيء يمكن إصلاحه« !!
وهنا يقع الفارق الحاسم بين النقد والإنهاك؛ فالأول يكشف الخلل بحثًا عن الإصلاح، بينما يصبح تراكم الإحباط في الثاني غاية في ذاته.

هندسة التضخيم.. وصناعة الرأي العام الوهمي

بعد صناعة الرسالة الهدامة تبدأ معركة أخرى: كيف نجعلها تبدو أكبر مما هي عليه؟
تدخل هنا الحسابات المزيفة، وإعادة النشر المتزامن، والتعليقات المتكررة، والحسابات الآلية وشبه الآلية (Bots)، وتنسيق توقيت النشر، ومحاولات دفع كلمات بعينها إلى قوائم الأكثر تداولًا (التريند).
وقد فرّقت Meta نفسها بين «السلوك الزائف المنسق» وبين أنماط أخرى يكون هدفها الأساسي زيادة توزيع المحتوى وتضخيم انتشاره بصورة مصطنعة. 
وتكمن الخطورة النفسية في أن المواطن عندما يفتح هاتفه ويجد عشرات أو مئات الحسابات تردد الرسالة نفسها، قد يظن أنه أمام انعكاس طبيعي لاتجاه الرأي العام في المجتمع، بينما قد يكون جزء كبير من المشهد الذي يراه مصنوعًا ومضخمًا. 
وهكذا لا يجري فقط توجيه الرأي العام، بل تجري محاولة صناعة وهم حول حجم الرأي العام نفسه.

اتبع المال.. من يمول ماكينة صناعة الفوضى؟

خلف كل عملية رقمية هدامة سؤال لا تستطيع الشعارات إخفاءه طويلًا: من يدفع؟
فالعمل المنسق والمخطط يحتاج إلى محررين، ومصممين، ومطوري مواقع، ومنتجي فيديو، ومديري حسابات، وأدوات تحليل بيانات، واستضافة تقنيات، وإعلانات ممولة. 
ومن هنا يصبح تتبع المال أحد أهم أدوات كشف الشبكات الإخوانية.
ولهذا تصبح السجلات الضريبية، وتقارير الجهات المانحة، ووثائق الشركات، وقوائم مجالس الإدارة، وعقود المشروعات أهم كثيرًا من آلاف المنشورات الغاضبة؛ فالمال، عندما نستطيع تتبعه، يرسم خريطة العلاقات الحقيقية التي قد لا تظهر أبداً على الشاشات.

الإرهاب المعنوي

ولا تنتهي حرب التأثير عند نشر رسالة هدامة أو تضخيمها، فهناك مستوى آخر يستهدف من يعارضها ويكشفها؛ إذ تبدأ موجة عاتية من السخرية، والتشهير، والسب، والقذف، والاستهداف الشخصي، والتكثيف الجماعي للهجوم على إعلامي، أو شخصية عامة، أو مواطن يتبنى موقفًا داعمًا للدولة أو رافضًا للفوضى.
وفي هذه الحالة، قد لا يكون المستهدف الحقيقي هو الشخص وحده، بل الآخرون الذين يشاهدون ما يحدث له؛ فالرسالة النفسية المراد تصديرها هي: " إذا كشفت مخططنا.. ستدفع الثمن"  . 
وبذلك تتحول الكثافة الرقمية إلى أداة ضغط ترهيبية، ويصبح الهدف هو إخراج الرأي المخالف من المجال العام تمامًا بدلاً من مناقشة حجته.

الجبهة الداخلية

لا تكمن خطورة عمليات التأثير في منشور، أو «تريند»، أو حساب مزيف؛ الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الفضاء الرقمي إلى وسيلة لتآكل الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وبين فئات المجتمع بعضها وبعض.
إن الاختلاف السياسي ليس تهديدًا للدولة في حد ذاته، والنقد لا يجب أن يكون هدمًا، وكشف الأخطاء ضرورة لأي مجتمع يريد التقدم، لكن الفارق كبير جداً بين النقد الذي يبتغي الإصلاح، وبين عملية منظمة وممولة يكون نجاحها مرهونًا بأن يزداد المجتمع غضبًا وانقسامًا ويأسًا كل يوم. 
ولهذا تصبح الجبهة الداخلية هي مركز الثقل الحقيقي؛ فالدولة التي تحتفظ بمجتمع قادر على الاختلاف دون التفكك، والنقد دون الهدم، ومواجهة الأزمات دون فقدان الثقة في ذاته، تصبح الفئة الأكثر قدرة على مقاومة عمليات التأثير مهما بلغ حجم الإنفاق عليها.

الوعي.. خط الدفاع الذي لا تستطيع الخوارزميات اختراقه

إن مواجهة حروب التأثير الرقمي لا يمكن اختزالها في إغلاق حساب أو حذف صفحة؛ فكل فراغ معلوماتي تتركه المؤسسات يمكن أن تملأه شائعة، وكل تأخر في تقديم الحقيقة يمنح الرواية الزائفة وقتًا ثمينًا، وكل خطأ لا يُعترف به يتحول إلى مادة جاهزة للاستغلال.
ومن هنا، فإن الدفاع الأكثر فاعلية يقوم على منظومة وطنية متكاملة تشمل:
 إنفاذ القانون ضد الجرائم الرقمية.
 كشف شبكات الحسابات غير الأصيلة وتتبع تمويلها بالوثائق.
 رفع الثقافة الإعلامية والوعي الرقمي للمواطن.
 دعم إعلام وطني سريع، مهني، وشفاف لا يترك المواطن فريسة للفراغ المعلوماتي.
لأن المعركة الحقيقية ليست على شاشة الهاتف، بل هي معركة على الثقة؛ الثقة في قدرة المواطن على التمييز بين الخبر والسردية، وبين النقد والتلاعب، وبين المنصة الحقيقية والواجهة المصنوعة.
وفي حروب الوعي، ربما يكون أقوى سلاح يمتلكه المواطن هو طرح الأسئلة الثلاثة الذهبية قبل أن يضغط على زر "مشاركة" :
1. من صنع هذه الرسالة الإعلامية؟
2. ولماذا وصلت إليّ في هذا التوقيت تحديداً؟
3. ومن المستفيد الأول من أن أصدقها؟
فإذا أصبحت هذه الأسئلة عادةً مجتمعية، يصبح اختراق الجبهة الداخلية مستحيلاً، وتفقد غرف العمليات الرقمية أهم أسلحتها؛ لأن أخطر ما تملكه تلك الغرف ليس الكذبة في حد ذاتها، بل أن تمر الكذبة، وتتضاعف، وتتحول إلى يقين، دون أن يتوقف أحد ليسأل: مَن أطلقها؟ وما هي أهدافه؟

تم نسخ الرابط