ليست مأساة الإنسان في حياته الدنيا أن يُوارى جسده في التراب وتنقطع أنفاسه، إذ الموت قدرٌ مقدورٌ على كل حيٍّ ورحلةٌ محتومةٌ، لكن المأساة الحقيقية التي تنعقد لها قلوب البشر أسًى هي موت الُحلم في قلب الإنسان وأنفاسُه لا تزال تتردد في صدره، فيصير حاله بعد أن كان كائنًا يملأ الكون أملًا وحركةً وبناءً وضجيجًا، إلى هيكلٍ يمشي بين الناس وقد نُزعت منه الحياة، أيامه كلها سواء، وبدايات الأشياء تتساوى في عينيه مثل نهاياتها.
فالحلم هو تلك الشعلة التي بثَّها الله تعالى في روح الإنسان لتمنح وجوده معنى ومغزى، وبمجرد أن يمتلك الإنسان الحلم تتحول تفاصيل حياته الصغيرة إلى ملحمة من الجهد والصبر والمثابرة، فالحلم هو معيار الحياة الحقيقي، فالحياة الحقيقية لا تُقاس بسنوات نعيشها بل بأملٍ نحمله وبصمة نتركها.
ثمة فارق جوهري وكبير بين بقاء الإنسان على قيد الحياة، باعتبار أن هذا البقاء مجرد وظيفة بيولوجية تتشابه فيها كل الكائنات الحية، وبين أن يعيش الإنسان الحياة، كونها إدراكًا وغاية وبصمة له، والحلم هو هذا النفخة الروحية التي بها ينسكب المعنى النبيل في قالب السنين، وبدونه تصبح أيام الإنسان مجرد استهلاكٍ زمني قد تفرَّغ من محتواه، وقد جسَّدت الآية الكريمة هذا المعنى في قوله تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا}[الأنعام: 122]؛ فالبعث الحقيقي هنا ليس بعث الجسد؛ بل بعث تلك البصيرة الشاخصة نحو النور والغاية.
والشريعة الإسلامية وحتى الفلسفة الإنسانية لما تأتيا لتأبين أحلام ميتةٍ أو أن تقفا على رسومها وأطلالها بإرادة مسلوبة؛ بل جاءتا لترسيخ فلسفة البعث المرن، وهي قدرة الروح الإنسانية على الخروج من تحت رماد التجارب المنكسرة لصناعة حلم أعمق وأسمى.
ولقد تجسد معنى صناعة الحلم في التوجيه النبوي الكريم في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن قامتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ، فإن استطاعَ ألا تقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرِسْها". فالحديث النبوي الشريف لا يتحدث عن إنجازٍ مادي ننتظر ثمرته في الدنيا؛ لأن الساعة قائمة والوجود ينتهي، بل أراد أن يغرس في النفوس أخلاقية الفعل والغرس ذاتها، كي يظل قلب الإنسان وجوارحه تنبض بالحلم وتسعى للبناء حتى اللحظة الأخيرة من الحياة، فالقيمة الشريفة للحياة تتجسد في عملية البناء والسعي لا في الاستسلام للعدم أو اللانظام.
وهذه الحقيقة السامية استوعبها العلماء والحكماء، فالإمام الغزالي رحمه الله قد قرر أن حياة النفس الحقيقية ليست بشهواتها الجسدية، بل بالهمة الشريفة والعلم والعزم على عمارة الأرض، موضِّحًا أن انقطاع الشغف هو الموت السريري للروح. واتفق معه الإمام ابن قيم الجوزية في أن علو الهمة هو المحرك الأساس الذي يبعث الحياة من الرميم، فالمرء يطير بهمته كما يطير الطائر بجناحيه.
وحين يفقد الإنسان حلمه وشغفه ولا يسعى لتجديده يقع في فخ الوجود البارد، فتستوي عنده الأفراح والأحزان، وتتحول التحديات من كونها مطايا للارتقاء إلى أثقال يئن تحتها.
ولله در أبي القاسم الشابي حين جسد ذلك بقوله:
ومَنْ لا يُحِبُّ صُعُودَ الجِبالِ ... يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَرِ
إن تاريخ الأمم شاهد على أنه لم تصنعه أيدي تلك الأجساد البشرية المكتفية بوجودها الظاهري، بل بأيدي الناس الذين امتلكوا الأحلام التي تجاوزت ذواتهم، فهم ليسوا الأكثر قوة ولا ثراء، بل هم من تمسكوا بأحلامهم حتى النهاية، فالمرء إذا لم يكن لديه شيء يموت من أجله كما قال مارتن لوثر كينج، فهو ليس جديرًا بأن يعيش. فقيمة المرء لا تحسب بسنوات عمره التي عاشها بل بكثافة مضمونها الذي يملأ تلك السنوات.
وغياب الحلم يورث الإنسان الانطفاء ويَشِي بشعور جارف بالعبث، ومرور الإنسان بفترات انطفاء أو خيبة أمل هذا لا يعني نهاية المطاف، بل ربما يكون محطة ضرورية لإعادة تصحيح المسار وترتيب الأولويات، وحتى لا يستسلم لحالة اللا معنى أو انكسار الحلم، يجب عليه لإنعاش روحه أن يفرق بين الوسيلة والغاية، فالحلم قد يسقط بالوسيلة أو يضل طريقه كإخفاق في دراسة أو وظيفة أو مشروع، لكن تبقى غايته الكبرى في عمارة الأرض والعطاء تنبض بالحياة وتحتاج لاختراع وسائل جديدة للوصول إلى غاية الحلم.
ولإنعاش روحه أيضًا عليه أن يحول الألم الذي أصابه جرَّاء إخفاق الحلم إلى طاقة، فانكساره ليس نقطة نهاية، بل وقود يعيد صياغة نضجه الإنساني وبناء خبرته الحياتية، وكل هذا لن يكون إلا بتدريب النفس البشرية على فعل الغرس اليومي المستقى من الحديث النبوي السابق، حيث يجب على الإنسان ألا ينتظر الأحلام الكبرى كي يتحرك، بل يبادر ويبدأ بغرس فسيلة صغيرة من إنجازات يومية صغيرة تُعيد له تدريجيًّا شغفه وثقته بنفسه وبالحياة.
فحياة الإنسان الحقيقية لا تقاس بانتظام نبضه في الشرايين، بل بتلك الروح المشتعلة بالغاية، غاية في النجاح والبناء والعمل والإنجاز، غاية في كل أشكال التغيير الإيجابي صغيره وكبيره، غاية في التأثير الإيجابي في الآخرين حتى ولو بترك بسمة صغيرة على شفاههم أو إزالة دمعة من مآقيهم، غاية في عمل- حتى ولو كان بسيطًا- يبقى بعد الرحيل.
إن الموت الحقيقي هو أن يستسلم الإنسان للعدم ويترك حلمه يموت داخله وهو ينظر إليه ولا يستطيع دفع الموت عنه، على الإنسان أن يصنع لحياته أفقًا وحلمًا، ويتمسك بفسيلته إلى آخر رمق من حياته، فالحياة بدون حلم تتحول إلى ظل باهتٍ لوجود كان من الممكن أن يكون عظيمًا.