التوك توك والمهن الحرفية.. معركة الدخل السريع أمام سنوات اكتساب المهارة(تقرير)
لم يعد التوك توك في مصر مجرد وسيلة للنقل داخل المناطق الشعبية والقرى، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى نشاط اقتصادي وفر مصدر دخل لعدد كبير من العاملين، وفي الوقت نفسه ارتبط بتغيرات في أنماط العمل داخل بعض المناطق، خاصة مع سهولة دخوله مقارنة ببعض المهن الحرفية التي تحتاج إلى تعلم مهارة أو امتلاك أدوات ورأس مال.
هل سحب التوك توك العمالة من المهن الحرفية؟
تتمثل القضية الأهم في تأثير التوك توك على العمالة الماهرة في السؤال حول انتقال بعض العاملين من الحرف إلى قيادة هذه المركبات، حيث هجرت العمالة الفنية من المصانع، واتجاهها للعمل بالتوك توك مما تسبب فى نقص الأيدى العاملة بالمصانع، وهو ما رصدته دراسة حديثة صادرة عن المركز المصرى للدراسات الاقتصادية، والتى أظهرت أن 53.7% من المصانع اشتكت من هجرة العمالة إلى التوك توك.

دخول سوق العمل دون تدريب طويل
فالعديد من المهن الحرفية تحتاج إلى سنوات من التدريب حتى يصل العامل إلى مستوى يسمح له بالعمل بصورة مستقلة، ومنها أعمال النجارة والحدادة والسباكة والكهرباء وصيانة السيارات وغيرها، وفي المقابل، لا تتطلب قيادة التوك توك فترة تدريب مهني مماثلة، ما جعلها بالنسبة لبعض الشباب خيارا أسرع لدخول سوق العمل.
فبينما تحتاج الحرف مثل النجارة والحدادة والسباكة والكهرباء وصيانة الأجهزة إلى اكتساب مهارات عملية من خلال التدريب والعمل لسنوات، يمكن بدء العمل على التوك توك بعد توفير المركبة واستيفاء الإجراءات المطلوبة في المناطق التي تسمح بتسييره.
هذا الفارق جعل العمل على التوك توك خيارًا متاحًا أمام بعض الشباب الباحثين عن دخل سريع، خصوصًا في المناطق التي تنتشر فيها المركبات بكثافة.
الحرف اليدوية أمام تحدي نقص العمالة
في المقابل، تواجه بعض الحرف اليدوية مشكلة مرتبطة بجذب العمالة الجديدة، إذ تحتاج هذه المهن إلى وقت طويل لاكتساب الخبرة والوصول إلى مستوى يسمح للعامل بإدارة عمله بصورة مستقلة.
وتؤدي عوامل اقتصادية واجتماعية متعددة إلى عزوف بعض الشباب عن الالتحاق بهذه المهن، ومن بينها طول فترة التدريب، وعدم انتظام الدخل في بداية المسار المهني، إضافة إلى تفضيل بعض الباحثين عن العمل لأنشطة توفر دخلاً أسرع.
ومن هنا أصبح التوك توك جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل العمالة الحرفية، وليس مجرد قضية مرتبطة بالمرور أو النقل.
لماذا ينجذب الشباب إلى التوك توك؟
يرتبط الإقبال على هذا النشاط بعدة عوامل، أبرزها إمكانية تحقيق دخل يومي، والمرونة النسبية في ساعات العمل، وعدم الحاجة إلى فترة تدريب مهني طويلة قبل البدء.
كما أن طبيعة التوك توك نفسها تجعله مناسبًا للمناطق التي يصعب على سيارات الأجرة أو وسائل النقل الكبيرة الوصول إليها، وهو ما ساعد على اتساع الطلب عليه في المناطق الداخلية والطرق الضيقة.

من «الصنايعي» إلى سائق توك توك
يمكن النظر إلى التوك توك باعتباره أحد الخيارات التي أعادت توزيع جزء من العمالة منخفضة ومتوسطة المهارة بين الأنشطة الاقتصادية.
فالعامل الذي يحتاج إلى سنوات لاكتساب خبرة في إحدى الحرف قد يجد أن العمل في النقل يوفر له دخلا بصورة أسرع، بينما تحتاج الصناعة والحرف إلى الاحتفاظ بالعمال وتدريب أجيال جديدة للحفاظ على المهارات المتراكمة.
وتصبح المشكلة أكثر وضوحا عندما يغادر العامل الحرفة بعد سنوات من التدريب، دون وجود عامل جديد يمتلك الخبرة الكافية ليحل محله.
وهنا لا يتعلق الأمر بالتوك توك وحده، وإنما بقدرة سوق العمل على جذب العمالة إلى القطاعات الإنتاجية مقارنة بالأنشطة الخدمية والنقل.
التوك توك والصناعة
تحتاج الصناعات والحرف إلى قاعدة واسعة من العمالة المدربة، خصوصا في المجالات التي تعتمد على المهارات اليدوية والخبرة العملية.
وفي المقابل، يمثل العمل في بعض أنشطة النقل فرصة لا تتطلب مؤهلا دراسيا أو تدريبا فنيا طويلا، وهو ما يجعل المقارنة بين المسارين مرتبطة بالدخل وساعات العمل وتكاليف التشغيل والاستقرار الوظيفي.
ومن هنا يمكن فهم الجدل حول التوك توك باعتباره جزءا من مشكلة أكبر تتعلق بجاذبية التعليم الفني والتدريب المهني أمام الشباب.
التحدي الحقيقي.. من سيحافظ على المهن الحرفية؟
تحتاج المهن الحرفية إلى جذب العمالة الجديدة من خلال تحسين ظروف العمل، ورفع الإنتاجية، وتطوير منظومة التدريب المهني، وربط التدريب باحتياجات السوق الفعلية.
وفي المقابل، يظل التوك توك نشاطًا اقتصاديًا يوفر مصدر دخل لعدد من العاملين، ما يجعل التعامل معه مرتبطًا بتنظيم سوق النقل والعمالة معًا، وليس بالنظر إليه باعتباره وسيلة نقل فقط.
لكن يمكن القول إن الانتشار الواسع للمركبة خلق مجالا جديدا للعمل، وأتاح لبعض العمال الانتقال من مهن أخرى إلى نشاط النقل، وهو ما يفتح بابا لدراسة تأثيره على توزيع العمالة بين الحرف والصناعة والخدمات.
التوك توك أصبح يمثل مصدرا لدخل مقطوع وسريع بالنسبة للعاملين عليه
ومن جانبه قال الدكتور محمد بدرة، الخبير الاقتصادي، إن التوك توك أصبح يمثل مصدرا لدخل مقطوع وسريع بالنسبة للعاملين عليه، دون ضرائب أو تقنين أو رقابة كافية، وهو ما يدفع الكثيرين إلى تفضيل هذا النشاط.

وأضاف بدرة، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن بعض سائقي التوك توك يعملون دون تراخيص أو تقنين، ولا يخضعون للرقابة بالشكل الكافي، وأن الدولة لا تملك حصرا دقيقا لأعداد هذه المركبات، وأن الأرقام المتداولة كانت تتحدث عن نحو 7 ملايين توك توك، إلا أنه يرى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر من ذلك بكثير، مؤكدا أن الأعداد ارتفعت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن الدولة أعلنت في أكثر من مناسبة عن إجراءات لتقنين أوضاع التوك توك، كما قامت بعض المحافظات بتقنينه، إلا أن الأعداد التي جرى تقنينها لا تصل إلى مليون مركبة حتى الآن، بحسب حديثه.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن بعض المحافظات منعت سير التوك توك لأسباب أمنية وتنظيمية، بينما لا يزال منتشرا في أغلب المناطق، موضحا أن انتشاره أثر أيضا على دخل المواطنين، بعدما أصبح وسيلة إنفاق رئيسية على الانتقالات داخل الشوارع والأحياء، وأسهم في خلق أنماط جديدة من التنقل.
وتابع أن التوك توك يمثل تحديا من الناحية الأمنية، بسبب عدم انضباط منظومة تشغيله وغياب السجلات الكافية المتعلقة به، مؤكدا ضرورة العمل على تقنين أوضاعه، وأن تقنين نحو 7 ملايين توك توك، حتى مع فرض رسوم ترخيص قدرها 300 أو 400 أو 1000 جنيه للمركبة، يمكن أن يوفر للدولة مبالغ كبيرة شهريا وسنويا، إلى جانب التأمين ورخصة السائق، مؤكدًا أن التوك توك يمثل «اقتصادا موازيا» ومصدرا كبيرا للدخل يمكن للدولة الاستفادة منه من خلال تقنينه وإدخاله إلى المنظومة الرسمية.
وحول الحفاظ على العمالة المصرية الماهرة والمهن الحرفية في ظل انتشار التوك توك، أوضح بدرة أن الأمر يحتاج إلى وقف نزيف العمالة من هذه المهن، خاصة أن العمل على التوك توك يحقق دخلا سريعا ولا يحتاج إلى تدريب أو جهد أو تكاليف كبيرة، بينما تتطلب المهن الحرفية التدريب والخبرة.
جذب العمالة مرة أخرى إلى المهن الحرفية سيكون أمرا صعبا
وأضاف أن جذب العمالة مرة أخرى إلى المهن الحرفية سيكون أمرا صعبا، بسبب اعتياد العامل على مستوى معين من الدخل، مشيرا إلى أن العودة إلى الحرف قد تعني بالنسبة له التخلي عن جزء من هذا الدخل، مشددًا على أهمية البدء بتقنين نشاط التوك توك ووضع مواصفات واضحة للسائق، وتحديد من يحق له قيادة المركبة، وإلزامه باستخراج رخصة، إلى جانب فرض ضوابط على التشغيل، وأن استمرار الوضع الحالي يسهم في استبدال العمالة الماهرة بعمالة أخرى، مؤكدا ضرورة وقف هذا النزيف والحفاظ على العمالة الماهرة.
تقنين التوك توك يدر 10 مليارات جنيه سنويًا
وعن العائد المتوقع من تقنين التوك توك، قال بدرة إنه إذا تم فرض 1000 جنيه فقط كمصاريف ترخيص سنوية على 7 ملايين مركبة، فإن الحصيلة ستصل إلى نحو 7 مليارات جنيه سنويا، كما أنه في حال فرض 500 جنيه أخرى لرخصة السائق، فإن إجمالي الحصيلة قد يصل إلى نحو 10 مليارات جنيه سنويا من التوك توك.
وتابع أن هذه الحصيلة لا تتوقف عند رسوم الترخيص ورخص القيادة، وإنما يمكن أن تشمل أيضا المخالفات، موضحا أن تحصيل المخالفات من هذا العدد الكبير من المركبات يمكن أن يرفع الإيرادات إلى نحو 15 أو 20 مليار جنيه سنويا، وفقا لتقديره.
وأكد بدرة أن تقنين التوك توك من شأنه تحقيق هدفين، أولهما ضبط وتنظيم حركة هذه المركبات، والثاني الاستفادة من الإيرادات التي يمكن أن تدخل موازنة الدولة، مشيرًا إلى أن هذه الإيرادات يمكن أن تعود بالنفع على المواطنين، باعتبار أن الأموال التي يتم تحصيلها تدخل إلى ميزانية الدولة، ويمكن توجيهها إلى أوجه الإنفاق العام، ومنها الدعم.