من دروس حرب أوكرانيا.. كوريا الشمالية تدرب مسيراتها وصواريخها على هجوم موحد
لا تبدو كوريا الشمالية وكأنها تكتفي بتطوير طائرات مسيرة جديدة، بل تختبر في الوقت نفسه أسلوبا مختلفا لخوض المعارك، يقوم على دمج أنواع متعددة من الأسلحة في موجة هجومية واحدة لإرباك الدفاعات الجوية والصاروخية وإجبارها على التعامل مع عدد كبير من التهديدات في وقت متقارب.
وكشفت تدريبات عسكرية حديثة أجرتها بيونغ يانغ عن استخدام طائرات مسيرة هجومية بالتزامن مع صواريخ باليستية قصيرة المدى وصواريخ كروز وراجمات صواريخ، في نموذج لما يمكن وصفه بضربة مركبة متعددة الطبقات، تستهدف إغراق منظومات الدفاع بأهداف تختلف في السرعة والارتفاع والمدى ومسار الاقتراب.
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، أظهرت المناورة الأخيرة تطوراً في طريقة دمج كوريا الشمالية لمنصات أسلحتها، إذ شاركت الطائرات المسيرة الهجومية إلى جانب الصواريخ الباليستية قصيرة المدى وصواريخ كروز وراجمات الصواريخ، بينما وصفت بيونغ يانغ التدريب بأنه اختبار لنظام متكامل لقيادة النيران.
وأكدت كوريا الجنوبية إطلاق عدة صواريخ باليستية قصيرة المدى خلال التدريب، قطعت مسافة تقارب 250 كيلومترا قبل سقوطها في البحر الشرقي.
ولا تكمن أهمية المناورة في عدد الأسلحة المستخدمة فحسب، وإنما في جمع منصات مختلفة ضمن حزمة هجومية واحدة، بحيث لا تواجه منظومة الدفاع الجوي صاروخاً منفرداً أو مجموعة متجانسة من الأهداف، وإنما تهديدات متعددة تصل بسرعات وارتفاعات ومسارات مختلفة وفي توقيتات متقاربة.
دروس من أوكرانيا والشرق الأوسط
ويشبه هذا المفهوم التكتيكات التي اكتسبت حضوراً متزايداً خلال الحروب الحديثة، ولا سيما في الحرب الروسية الأوكرانية، حيث أظهرت العمليات العسكرية الروسية قدرة الطائرات المسيرة الهجومية منخفضة التكلفة على العمل بالتوازي مع الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز.
وتسمح هذه الطريقة بزيادة عدد الأهداف التي يتعين على المدافع التعامل معها، وإجباره على توزيع صواريخ الاعتراض ووسائل الدفاع المختلفة على تهديدات متزامنة بدلاً من التركيز على هدف واحد.
وتكتسب الطائرات المسيرة أهمية خاصة بالنسبة إلى بيونغ يانغ، لأن دورها لا يقتصر على الاستطلاع وجمع المعلومات، بل يمكن استخدامها أيضاً كوسيلة هجومية منخفضة التكلفة، وقابلة للإنتاج بأعداد كبيرة، ويمكن دمجها في موجات أوسع من الهجمات الصاروخية والمدفعية.
وبحسب تحليلات متخصصة، أتاحت مشاركة كوريا الشمالية في الحرب إلى جانب روسيا فرصة للاطلاع بصورة أكبر على أساليب الحرب الحديثة، خصوصاً في مجال استخدام الأنظمة غير المأهولة والطائرات المسيرة في العمليات القتالية.
ويرجح خبراء أن تكون بيونغ يانغ استفادت كذلك من الخبرة الروسية في تشغيل الطائرات المسيرة، بما في ذلك نماذج مستوحاة من الطائرات الإيرانية من طراز "شاهد"، التي استخدمت على نطاق واسع في الحرب الروسية الأوكرانية.
تطوير مسيرات بعيدة المدى
وتشير صور أقمار صناعية حللها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن كوريا الشمالية تواصل تطوير طائرات مسيرة بعيدة المدى، من بينها "سايبول-4" و"سايبول-9".
ويرى المركز أن الخبرة التي تكتسبها بيونغ يانغ من ساحات القتال الحديثة يمكن أن تنعكس على تطوير هذه المنظومات وإنتاجها مستقبلاً، سواء من حيث التصميم أو الاستخدام العملياتي.
وتأتي هذه الجهود في وقت تواصل فيه كوريا الشمالية تطوير مجموعة واسعة من القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، بما يتيح لها الجمع بين منصات ذات طبيعة مختلفة بدلاً من الاعتماد على نوع واحد من الأسلحة خلال الهجوم.
استنزاف الدفاعات قبل إصابة الهدف
وتبرز أهمية هذا التكتيك بالنسبة إلى كوريا الجنوبية والولايات المتحدة بصورة خاصة، إذ لا يشترط نجاح الضربة المركبة اختراق كل مسيرة أو صاروخ لمنظومة الدفاع.
فمجرد إجبار الدفاعات على التعامل مع عدد كبير من التهديدات المختلفة في اللحظة نفسها قد يحقق جزءاً من الهدف، من خلال استنزاف مخزونات صواريخ الاعتراض، وزيادة الضغط على أطقم الدفاع الجوي، وربما كشف مواقع بعض المنظومات الدفاعية.
وفي هذه الحالة، يمكن للمهاجم أن يستخدم الأسلحة الأرخص ثمناً لزيادة كثافة الهجوم، مع الاحتفاظ بالصواريخ الأكثر قدرة على الاختراق والمناورة بجزء أكبر من قيمتها الهجومية.
وتزداد صعوبة التصدي لهذه الهجمات مع بعض الصواريخ الكورية الشمالية، ومنها "هواسونغ-11"، التي تمتلك قدرات على المناورة يمكن أن تجعل عملية اعتراضها أكثر تعقيداً.
ولا تأتي هذه التطورات بمعزل عن الدروس المستخلصة من المعارك في الشرق الأوسط، حيث أظهرت العمليات العسكرية الحديثة أن الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة تستطيع زيادة كثافة الأهداف وإرباك الدفاعات، خصوصا عندما تتحرك في الوقت نفسه مع صواريخ باليستية وصواريخ كروز أكثر تطورا.
وتصبح مهمة الدفاع أكثر تعقيداً عندما تصل هذه الأهداف عبر مسارات مختلفة، وعلى ارتفاعات وسرعات متباينة، ما يفرض على منظومات الدفاع اتخاذ قرارات متزامنة بشأن ترتيب الأولويات وتوزيع وسائل الاعتراض.



