عاجل

في زمن أصبحت فيه الصورة أسرع وصولًا من الكلمة، وأصبح المشهد الذي تلتقطه الكاميرات خلال زيارة مسؤول ميدانية قادرًا على تشكيل انطباع كامل لدى الرأي العام، علينا أن نتوقف أمام الطريقة التي نقدم بها مؤسسات الدولة وأداء العاملين فيها للمواطنين وللعالم.

وحتى تنجح الدولة في أداء رسالتها، وتظهر بالصورة المشرفة التي تليق بها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، فإن المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده، وإنما تبدأ أيضًا من أداء السادة الوزراء والمحافظين والمسؤولين، ومن الطريقة التي يتعاملون بها مع المؤسسات والمواقع التي يزورونها ميدانيًا.

وأنا هنا لا أدعو مطلقًا إلى إخفاء السلبيات أو التستر على الأخطاء، فالمحاسبة ضرورة، والرقابة واجب، وتصحيح أوجه القصور مسؤولية لا يجوز التفريط فيها.

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه بوضوح: لماذا لا نُظهر الإيجابيات بنفس القوة التي نُظهر بها السلبيات؟

عندما يزور وزير أو محافظ أو مسؤول إحدى المؤسسات، فمن الطبيعي أن يبحث عن أوجه القصور لعلاجها، لكن من المهم أيضًا أن يبحث عن نقطة مضيئة داخل المكان؛ موظف يؤدي عمله بإخلاص، أو مدير طور أداء مؤسسته، أو عامل يتعامل مع المواطنين بصورة محترمة، أو فريق نجح في تقديم خدمة متميزة.

فمن الصعب أن يكون كل ما في المكان سلبيًا، ومن المؤكد أن داخل كل مؤسسة نماذج تستحق الإشادة والتقدير.

ولهذا أقترح أن تتحول هذه الفكرة إلى قاعدة عمل بسيطة في كل زيارة ميدانية: "لا تغادر مكانًا إلا وقد عالجت سلبية، واكتشفت إيجابية".

فإذا وجد المسؤول خطأً، يتخذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة لتصحيحه، وإذا وجد نجاحًا أو موظفًا متميزًا أو فريقًا يستحق الإشادة، يمنحه التقدير الذي يليق بما قدمه.

وهنا لا نتحدث عن مجاملة أو توزيع شهادات تقدير بلا معايير، وإنما عن ثقافة إدارية جديدة تقوم على المحاسبة والتحفيز في آن واحد.

فشهادة تقدير بسيطة، أو كلمة شكر أمام الزملاء، قد تصنع فارقًا كبيرًا في نفس موظف أخلص في عمله، وتمنحه شعورًا بأن جهده محل تقدير، وأن الدولة ترى وتقدر وتكافئ.

بل إنني أرى أن الكلمة الطيبة من المسؤول قد يكون لها مفعول السحر في نفوس العاملين.

فبدلًا من أن تستعرض الكاميرات مشهد تعنيف مدير أو موظف، يمكن أن تنقل في الوقت نفسه مشهدًا لمسؤول يوجه كلمة طيبة إلى موظف متميز، أو يكرم فريق عمل نجح في تقديم خدمة جيدة للمواطنين.

لماذا لا نجعل من مشهد التكريم رسالة إعلامية مثلما نجعل من مشهد المحاسبة رسالة؟

المسؤول القوي ليس فقط من يستطيع اكتشاف الخطأ ومحاسبة المقصر، وإنما أيضًا من يستطيع اكتشاف النجاح وتشجيع صاحبه، ومن يمتلك القدرة على الجمع بين الحزم والإنصاف، وبين الرقابة والتحفيز.

ويمكن للمسؤول أن يكون حازمًا في مواجهة الخطأ، دون أن يهدم معنويات العاملين، وأن يحاسب المقصر دون أن يحرم المجتهد من حقه في الإشادة.

إننا في حاجة إلى تغيير ثقافة التعامل مع الأداء الحكومي من ثقافة "من أخطأ؟" فقط، إلى ثقافة أكثر توازنًا تسأل أيضًا: "من أحسن؟ ومن يستحق أن نشكره ونحتذي به؟".

فالتحفيز ليس ترفًا إداريًا، وإنما أحد أهم أدوات رفع كفاءة الأداء.

كما أنني أتمنى أن تمتد هذه الروح إلى التغطية الإعلامية للزيارات الميدانية؛ فلا ينبغي أن تختزل الزيارة كلها في مشهد لمسؤول يعنف موظفًا أو يعلن إحالة أحد للتحقيق، بينما تمر عشرات النماذج الإيجابية دون أن يلتفت إليها أحد.

فالخطأ الفردي لا ينبغي أن يصبح عنوانًا لمؤسسة بأكملها، كما أن نجاح موظف أو فريق عمل يستحق أن يكون قصة نجاح تدفع الآخرين إلى الاقتداء به.

ونحن في حاجة إلى إعلام يرصد الخلل ليتم إصلاحه، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على النجاح ليتم تعميمه.

نحن لا نحتاج فقط إلى "ترند" عن مسؤول يحاسب..

وإنما نحتاج أيضًا إلى "ترند" عن مسؤول اكتشف مجتهدًا فكرمه، أو مؤسسة نجحت فدعمها، أو موظف أخلص فوجد التقدير الذي يستحقه.

فإذا أردنا بالفعل تحسين الصورة الذهنية للدولة أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، فعلينا أن ندرك أن الصورة لا تُصنع من البيانات الرسمية وحدها، وإنما تُصنع أيضًا من المشاهد التي يراها المواطن يوميًا.

المواطن يريد أن يرى دولة تحاسب من يخطئ، لكنها في الوقت نفسه تقدر من يحسن.

يريد أن يرى مسؤولًا يستمع إليه، وموظفًا يحسن معاملته، ومؤسسة تقدم له الخدمة بكفاءة واحترام.

ويريد أيضًا أن يرى أن النجاح داخل مؤسسات الدولة له قيمة، وأن الإخلاص في العمل لا يمر دون تقدير.

ومن هنا فإن تحسين الصورة الذهنية للدولة مسؤولية مشتركة بين المسؤول والإعلام والمواطن وكل من يملك تأثيرًا في المجتمع.

لا نريد أن نرى الدولة فقط وهي تحاسب.. نريد أن نراها أيضًا وهي تقدر.

لا نريد أن تكون الكاميرا حاضرة فقط عندما يكون هناك خطأ، بل نريدها أن تكون حاضرة أيضًا عندما يكون هناك نجاح.

لا نريد أن يسمع الموظف كلمة: "لماذا قصرت؟" فقط، وإنما نريد أن يسمع أيضًا: "شكرًا.. أحسنت.. استمر".

فربما كانت هذه الكلمات البسيطة سببًا في تغيير أداء مؤسسة بأكملها.

وفي النهاية، فإن بناء دولة قوية لا يتحقق فقط بالقرارات والقوانين، وإنما ببناء الإنسان داخل مؤسساتها، ورفع روحه المعنوية، وتشجيعه على الإبداع والإخلاص.

فلنصحح الخطأ عندما نجده، ولنحاسب المقصر وفقًا للقانون، ولكن في الوقت نفسه فلنبحث عن المجتهد ونمنحه حقه من التقدير.

حاسبوا المخطئ.. ولكن لا تنسوا أن تكرّموا المجتهد.

فالدولة التي تعرف كيف تحاسب هي دولة قوية، والدولة التي تعرف كيف تقدر هي دولة تبني الإنسان.

ومن هنا تبدأ صناعة صورة ذهنية حقيقية ومشرفة للدولة المصرية، صورة لا تقوم على إخفاء السلبيات، وإنما على مواجهتها، ولا تقوم على تجاهل الأخطاء، وإنما على إصلاحها، وفي الوقت نفسه لا تنسى أن ترى النجاح وتحتفي بأصحابه.

فلنجعل كل زيارة ميدانية فرصة للإصلاح.. وفرصة أيضًا لاكتشاف الأمل.

تم نسخ الرابط