عاجل

«إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الجَمَالَ وَالتَّجَمُّلَ، وَيُبْغِضُ البُؤْسَ وَالتَّبَاؤُسَ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ أَحَبَّ أَنْ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُهَا».
تحمل هذه الكلمات المنسوبة إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام معنى يتجاوز حدود العناية بالمظهر؛ فهي تتصل بطريقة الإنسان في التعامل مع النعمة، وبنظرته إلى نفسه وإلى المجال الذي يعيش فيه.
فليس المقصود أن يتحول الإنسان إلى أسير للمظاهر، أو أن يجعل الملبس والمسكن معيارًا لقيمة الناس، وإنما أن يعرف قدر ما أُوتي، وأن يحسن الانتفاع به، وألا يجعل الإهمال والفوضى صورةً دائمة لحياته.
وحين سُئل الإمام الصادق: وكيف يكون ذلك؟ جاء الجواب في عبارات شديدة البساطة والوضوح:
«يُنَظِّفُ ثَوْبَهُ، وَيُطَيِّبُ رِيحَهُ، وَيُجَصِّصُ دَارَهُ، وَيَكْنُسُ أَفْنِيَتَهُ».
لا تتحدث هذه العبارة عن القصور، ولا عن الثياب الفاخرة، ولا عن الترف؛ وإنما عن مستوى من العناية يمكن أن يتحقق في حدود الإمكان: ثوب نظيف، ورائحة طيبة، وبيت معتنى به، ومحيط لا تسيطر عليه القذارة والإهمال.
وهنا يخرج الجمال من دائرة الترف إلى دائرة السلوك.
فنظافة الإنسان ليست شأنًا شخصيًّا محضًا؛ لأن مظهره ورائحته وطريقة حضوره تمسّ من يجالسه ويعمل معه ويشاركه المكان. وكذلك نظافة البيت لا ينبغي أن تتوقف عند بابه؛ فالشارع، والفناء، والمكان العام امتداد للمسؤولية الاجتماعية، لا مساحة متروكة بلا صاحب.
ومن التناقض أن يبالغ الإنسان في العناية بداخل بيته، ثم يلقي ما يخرج منه أمام بابه، أو أن يحرص على نظافة مكانه الخاص ثم يتعامل مع الأماكن العامة باعتبارها شأنًا لا يعنيه. فالمكان العام ليس مكانًا بلا مالك؛ إنه ملك مشترك، واحترامه جزء من احترام الجماعة التي نعيش بينها.
ومن هنا يصبح الجمال مفهومًا أوسع من حسن الهيئة. إنه طريقة في استعمال النعمة وإدارتها، وفي عدم تحويلها إلى مصدر أذى أو عبء على الآخرين.
ولذلك تأتي مقابلة «الجمال والتجمّل» بـ«البؤس والتباؤس» لافتةً للنظر. فالبؤس هنا لا يلزم أن يكون فقرًا ماديًّا؛ فقد يملك الإنسان ما يكفيه، لكنه يختار الإهمال، ويستسلم للفوضى، ويتعامل مع ما بين يديه بلا عناية. وفي المقابل، قد تكون إمكانات إنسان محدودة، لكنه يعرف كيف يحسن الانتفاع بها، فيبدو أثر النعمة عليه من غير إسراف ولا استعراض.
فالقيمة ليست في ثمن الثوب، وإنما في نظافته وحسن اختياره. وليست في اتساع البيت، وإنما في العناية به. وليست في كثرة ما يملك الإنسان، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها مع ما يملك.
وهذا يحرر مفهوم الجمال من الاستهلاك والاستعراض. فالجمال ليس مسابقة في اقتناء الأشياء، ولا إعلانًا عن القدرة المالية، وإنما قدر من النظام والنظافة والذوق والعناية يجعل حياة الإنسان أكثر اتزانًا، ويجعل حضوره أقل إزعاجًا وأكثر راحة لمن حوله.
ثم إن للحديث امتدادًا أعمق من الظاهر.
فالعناية بالثوب يمكن أن تذكّر بالعناية بما وراء الثوب، وطيب الرائحة يمكن أن يفتح معنى طيب السيرة، وتنظيف الفناء يمكن أن يستدعي سؤالًا آخر عن الأشياء التي نتركها تتراكم في دواخلنا: الحقد، والحسد، وسوء الظن، والكبر.
ليس المطلوب أن نستبدل العناية بالظاهر بالعناية بالباطن، وإنما أن نفهم أن الإنسان وحدة واحدة؛ فالفوضى الداخلية كثيرًا ما تجد طريقها إلى السلوك، كما أن العناية الظاهرة لا تكتمل إذا كانت الأخلاق مصدرًا للأذى.
ولهذا فإن أثر النعمة لا يظهر فقط في هيئة الإنسان، بل في أخلاقه أيضًا: في طريقته في الحديث، وفي احترامه للآخرين، وفي محافظته على المكان، وفي تعامله مع المال، وفي قدرته على الاستمتاع بما عنده من غير احتقار لمن هو أقل منه.
الجمال، بهذا المعنى، ليس ترفًا اجتماعيًّا، ولا امتيازًا خاصًّا بأصحاب القدرة المادية؛ بل هو صورة من صور الوعي.
أن تعتني بثوبك من غير إسراف، وببيتك من غير تكلف، وبالمكان الذي تعيش فيه من غير أن تؤذي غيرك، وأن ترى في النعمة مسؤوليةً بقدر ما تراها متعة؛ ذلك هو المعنى الذي يجعل «أثر النعمة» سلوكًا لا استعراضًا.
وفي النهاية، قد يكون أجمل ما في هذه الكلمات أنها لا تطلب من الإنسان أكثر مما يستطيع، وإنما تطلب منه أن يتعامل مع ما لديه بعناية ووعي.
فليس المهم أن يكون بيتك فخمًا، وإنما ألا يكون مهملًا.
وليس المهم أن تكون ملابسك غالية، وإنما أن تكون نظيفة لائقة.
وليس المهم أن تملك الكثير، وإنما أن يظهر أثر ما تملك في حياتك دون أن يتحول إلى استعلاء على غيرك.
ثم يبقى المعيار الأعمق: أن تكون النعمة أجمل في أخلاق صاحبها منها في مظهره.

تم نسخ الرابط