عاجل

د. محمد راشد: 6 محاور لإعادة ضبط السوق العقاري.. توحيد الولاية وتمويل ملائم وعقد متوازن

 الدكتور محمد راشد
الدكتور محمد راشد

قال الدكتور محمد راشد، خبير التطوير العقاري وعضو أمانة الإسكان والتنمية العمرانية المركزية بحزب الجبهة الوطنية، إن السوق العقاري المصري يمر بمرحلة تتطلب الانتقال من التعامل مع التحديات بصورة منفردة إلى بناء منظومة متكاملة لتنظيم السوق، في ظل مجموعة من الملفات التي أصبحت مؤثرة بصورة مباشرة على المواطن والمطور والدولة، وفي مقدمتها تعقيد الإجراءات، وغياب مؤشرات دقيقة تعكس الأسعار الفعلية، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكلفة التمويل، إلى جانب الحاجة إلى مزيد من التنسيق بين مختلف أطراف المنظومة العقارية.

وأوضح راشد أن استمرار هذه التحديات دون معالجة مترابطة يؤدي إلى اتساع الفجوة بين احتياجات المواطنين وقدرتهم على التملك من ناحية، وقدرة السوق على تقديم منتجات عقارية تتناسب مع هذه الاحتياجات من ناحية أخرى، كما يفرض ضغوطًا إضافية على المطورين ويحد من قدرة الدولة على التخطيط الدقيق واتخاذ القرارات المبنية على بيانات حقيقية.

وأكد أن إعادة التوازن إلى السوق العقاري لا ترتبط بإجراء واحد أو قرار منفرد، وإنما تحتاج إلى مجموعة من الآليات المتكاملة التي تستهدف تحسين كفاءة السوق ورفع مستوى الشفافية وتقليل المخاطر، مع الحفاظ على التوازن بين حقوق المواطن واستدامة الشركات وقدرة الدولة على التنظيم والرقابة.

وأشار إلى أن توحيد الولاية وتسريع الإجراءات يأتي في مقدمة الملفات التي تحتاج إلى تطوير، موضحًا أن تعدد الجهات وتداخل الاختصاصات والإجراءات قد يؤدي إلى إطالة المدد الزمنية اللازمة للحصول على الموافقات وتنفيذ المشروعات، وهو ما ينعكس في النهاية على تكلفة المشروع وتوقيتات التنفيذ.

وأضاف أن الاتجاه نحو جهة ولاية موحدة، أو على الأقل منظومة إجراءات موحدة وواضحة، بالتوازي مع التحول الرقمي الكامل للخدمات العقارية، من شأنه تقليل الازدواجية واختصار الدورة المستندية، بما يحقق استفادة مباشرة للمواطن من خلال تسريع تنفيذ المشروعات، ويمنح المطور وضوحًا أكبر في المسار التنظيمي، كما يرفع من كفاءة الإدارة الحكومية وقدرتها على المتابعة والتخطيط والرقابة.

مؤشر سعري يكشف القيمة الحقيقية للعقار

وانتقل راشد إلى ملف الأسعار العقارية، مؤكدًا أهمية وجود مؤشر عقاري يستند إلى بيانات فعلية عن عمليات البيع وليس إلى أسعار الإعلان والعرض فقط، باعتبار أن السعر المعلن لا يمثل بالضرورة القيمة التي تتم بها الصفقة فعليًا.

وأوضح أن وجود مؤشر سعري محدث على مستوى المناطق والمدن يمكن أن يوفر قاعدة بيانات أكثر دقة أمام المواطن عند اتخاذ قرار الشراء، كما يساعد المطورين في دراسة مستويات الطلب وتحديد سياسات التسعير بصورة أكثر واقعية، بينما يتيح للدولة أداة إضافية لقياس حركة السوق واتخاذ القرارات التنظيمية والاقتصادية على أساس معلومات فعلية.

وأكد أن بناء سوق عقارية أكثر شفافية يتطلب الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على التقديرات والانطباعات إلى الاعتماد على البيانات، بحيث تصبح حركة الأسعار وحجم الطلب ومعدلات التداول مؤشرات قابلة للقياس والتحليل.

التمويل العقاري.. مفتاح استعادة الطلب الحقيقي

وفيما يتعلق بالقدرة الشرائية، قال راشد إن ارتفاع تكلفة التمويل العقاري يمثل أحد العوامل التي تحد من قدرة قطاعات واسعة من المواطنين، خاصة الطبقة المتوسطة، على الدخول إلى السوق، وهو ما يستدعي توسيع نطاق التمويل العقاري وتطوير أدوات تمويل أكثر ملاءمة لمستويات الدخول.

واقترح دراسة تطبيق فائدة مدعومة في حدود 10%، وفق ضوابط وبرامج تستهدف الفئات القادرة على السداد، مع مراعاة الظروف الاقتصادية وتكلفة الأموال، موضحًا أن الهدف من هذه الرؤية هو تقليص الفجوة بين أسعار الوحدات ومستويات دخول المواطنين، وليس مجرد زيادة حجم المبيعات.

وأشار إلى أن تنشيط التمويل العقاري يمكن أن ينعكس كذلك على المطورين من خلال تنشيط الطلب الحقيقي وتحسين معدلات المبيعات والتدفقات النقدية، بينما تستفيد الدولة من تحريك النشاط الاقتصادي المرتبط بالتطوير والبناء والتشغيل والخدمات.

اتحاد للمطورين وشراكة أكثر تنظيمًا مع الدولة

وشدد راشد على أهمية وجود كيان مؤسسي يجمع المطورين والجهات صاحبة الولاية، باعتبار أن الحوار المستمر بين أطراف السوق يمكن أن يساعد في نقل التحديات التنفيذية وصياغة حلول أكثر ارتباطًا بالواقع.

وأوضح أن وجود منصة مؤسسية للحوار لا يعني نقل مسؤولية التنظيم من الدولة إلى القطاع الخاص، وإنما توفير قناة منظمة لتبادل المعلومات والرؤى ورفع المشكلات التي تواجه التنفيذ، بما يسمح بتطوير القرارات التنظيمية على أساس خبرات وتجارب السوق الفعلية.

وأضاف أن هذا الإطار يمكن أن يساعد المطورين على فهم المتغيرات التنظيمية بصورة أفضل، وفي الوقت نفسه يمنح الجهات الحكومية رؤية أكثر دقة لطبيعة التحديات التي تواجه الشركات أثناء تنفيذ المشروعات، بما يقلل من الفجوة بين التشريع والتطبيق.

عقد عقاري متوازن يحسم مناطق النزاع

وأكد راشد أن تطوير نموذج عقد عقاري واضح ومتوازن يمثل محورًا مهمًا في ضبط العلاقة بين المطور والمشتري، خصوصًا مع اختلاف العقود وتباين بعض البنود من مشروع إلى آخر، وهو ما قد يفتح المجال أمام سوء الفهم أو النزاعات التعاقدية.

وأوضح أن المطلوب ليس بالضرورة فرض صيغة جامدة على جميع أنواع المشروعات، وإنما وضع إطار أو نموذج شبه موحد يحدد الحقوق والالتزامات الأساسية للأطراف بصورة واضحة، مع ترك مساحة للعناصر الخاصة بكل مشروع وفق طبيعته.

وأشار إلى أن وضوح العلاقة التعاقدية يحمي المواطن من البنود غير الواضحة، وفي الوقت نفسه يوفر للمطور حماية قانونية وتنظيمية أفضل، ويقلل من احتمالات النزاع، بما يعزز الثقة في السوق ككل.

المدن الجديدة يجب أن تتحول إلى مراكز إنتاج

وفيما يتعلق بالتنمية العمرانية، قال راشد إن التوسع في إنشاء الوحدات السكنية وحده لا يكفي لضمان نجاح المدن الجديدة، موضحًا أن المدينة المستدامة لا يمكن أن تكون مجرد تجمعات سكنية، وإنما يجب أن تتوافر فيها عناصر العمل والخدمات والإنتاج والحياة اليومية منذ المراحل الأولى للتخطيط.

وأضاف أن التخطيط العمراني للمدن الجديدة يجب أن يقوم على التكامل بين السكن وفرص العمل والصناعة والزراعة والخدمات، بحيث لا يضطر المواطن إلى الانتقال لمسافات طويلة يوميًا بين محل السكن والعمل، وهو ما ينعكس على جودة الحياة ويقلل من أعباء النقل والوقت.

وأشار إلى أن هذا النموذج يحقق فائدة كذلك للمطور، لأنه يخلق مجتمعات أكثر جذبًا وقابلية للاستدامة، بينما يساعد الدولة في إعادة توزيع السكان وتخفيف الضغط عن المدن القائمة، وخلق مراكز جديدة للنشاط الاقتصادي والإنتاجي.

و ذكر راشد أن بناء هذه المنظومة يتطلب النظر إلى السوق باعتباره حلقة متكاملة تبدأ من الأرض والإجراءات والتخطيط، وتمر بالتمويل والتسعير والتعاقد والتنفيذ، وتنتهي بوجود مجتمعات عمرانية قادرة على الاستمرار والإنتاج، بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن بين حماية حقوق المواطن، واستدامة نشاط المطور، ورفع كفاءة الدولة في إدارة التنمية العمرانية

واختتم راشد رؤيته بالتأكيد على أن تنظيم السوق العقاري لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الوحدات التي يتم طرحها أو معدلات نمو المبيعات، وإنما بقدرة المنظومة على تحقيق قيمة حقيقية للمواطن والاقتصاد، من خلال سوق أكثر شفافية وكفاءة واستدامة، يتيح للمواطن معلومات أوضح وتمويلًا أكثر ملاءمة، ويوفر للمطور الجاد بيئة أكثر استقرارًا، ويمنح الدولة أدوات أدق للتخطيط والتنظيم والرقابة.

.

تم نسخ الرابط