خطاب تيارات الإسلام السياسي إعلاميًا ندوة بمكتبة الإسكندرية عن الهوية المصرية
شهدت مكتبة الإسكندرية منذ قليل انطلاق الجلسة النقاشية تحت عنوان «خطاب تيارات الإسلام السياسي إعلاميًا وسياسيًا تجاه الهوية المصرية»، ضمن فعاليات اليوم الثاني من مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، المقام تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر الجاري، بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية ووزارات التعليم العالي والبحث العلمي، والشباب والرياضة، والثقافة، ومحافظة الإسكندرية.
خلال كلمته أكد حلمي النمنم، الكاتب والمفكر و وزير الثقافة الأسبق، أن بعض تيارات الإسلام السياسي تبنت على مدار عقود أفكارًا ومفاهيم أسهمت في تهميش الهوية الوطنية المصرية، مشيرًا إلى أن هذه التيارات قدمت تصورات تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية لصالح مفاهيم أوسع ترتبط بما وصفه بـ«دار الإسلام» أو دولة الخلافة.
وأوضح النمنم أن جذور التعارض بين بعض أطروحات الإسلام السياسي ومفهوم الهوية الوطنية والمواطنة المصرية تعود إلى مراحل تاريخية مبكرة، مستشهدًا بما طرحه حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، بشأن مفهوم «دار الإسلام»، معتبرًا أن هذا التصور لم يكن ينطلق من مفهوم الوطنية بالمعنى المتعارف عليه داخل الدولة الحديثة.
وأشار إلى أن هذه الأفكار تطورت لدى أجيال لاحقة من تيارات الإسلام السياسي، مستشهدًا بأطروحات سيد قطب، وما ورد في كتاباته ومقالاته حول مفهوم الوطن، لافتًا إلى أن هذه التصورات جاءت في سياقات تاريخية وسياسية مختلفة.
وأضاف وزير الثقافة الأسبق أن بعض الممارسات والتنظيمات المرتبطة بتيارات الإسلام السياسي عكست، من وجهة نظره، أولوية الانتماء إلى تنظيمات أو تصورات عابرة للحدود على حساب مفهوم الدولة الوطنية، مشيرًا إلى ما وصفه بوجود «تنظيم دولي» لجماعة الإخوان المسلمين، وما يرتبط بذلك من تصورات تعتبر مصر جزءًا من مشروع أوسع.
وتطرق النمنم إلى عدد من الوقائع التاريخية التي رأى أنها تعكس الصدام بين بعض تيارات الإسلام السياسي ومفهوم الدولة الوطنية، مشيرًا إلى حادثة اغتيال الشيخ محمد حسين الذهبي، وكذلك اغتيال الكاتب والمفكر فرج فودة، باعتبارهما من الوقائع التي ارتبطت بصراعات فكرية وسياسية حول طبيعة الدولة والمجتمع والهوية.
وأكد أن مواجهة الأفكار التي تتعارض مع مفهوم المواطنة والهوية الوطنية لم تقتصر على الدولة، وإنما شارك فيها مفكرون وكتاب وعلماء دين ومثقفون على مدار عقود، من خلال مناقشة هذه الأفكار ونقدها وتقديم رؤى بديلة تؤكد مفهوم الدولة الوطنية والمواطنة.
كما أعرب عن تقديره للرئيس عبد الفتاح السيسي لرعايته المؤتمر واهتمامه بملف الهوية الوطنية، مؤكدًا أن طرح القضية للنقاش من خلال مؤتمر فكري وثقافي واسع يعكس أهمية تعزيز الوعي بالهوية المصرية ومفهوم المواطنة في مواجهة الأفكار التي تتجاوز إطار الدولة الوطنية.
وفي ختام كلمته، وجه حلمي النمنم الشكر إلى القائمين على تنظيم مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، وعلى رأسهم الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، واللواء خالد فودة، والفريق المعاون، مؤكدًا أهمية مناقشة قضية الهوية الوطنية باعتبارها موضوعًا محوريًا في بناء الوعي المجتمعي.
و من جانبه أكد ثروت الخرباوي، الخبير في شؤون الإسلام السياسي، أن الهوية المصرية ليست أمرًا يمكن صناعته من نقطة الصفر، وإنما هي نتاج تراكم تاريخي وحضاري ممتد عبر آلاف السنين، مشددًا على ضرورة التمييز بين مفهومي «الوطن» و«الهوية»، وعدم الخلط بينهما عند تناول قضية الهوية الوطنية المصرية.
واستهل الخرباوي حديثه بالإشارة إلى أهمية ضبط بعض المصطلحات المتداولة عند الحديث عن الهوية المصرية، موضحًا أنه لاحظ خلال النقاشات السابقة وجود خلط في استخدام بعض المفاهيم، ومن بينها إطلاق وصف «الحضارة الفرعونية» على الحضارة المصرية القديمة.
وقال إن التعبير الأدق هو «الحضارة المصرية القديمة»، باعتبار أن «فرعون» كان لقبًا للحاكم في مصر القديمة، وليس اسمًا لحضارة بأكملها، مشيرًا إلى أن الحضارة المصرية امتدت عبر عصور ودول وحقب تاريخية متعاقبة، وأن اختزالها في تسمية واحدة مرتبطة بحكام بعينهم لا يعكس طبيعتها التاريخية الممتدة.
كما لفت الخرباوي إلى وجود خلط آخر بين مفهوم الوطن ومفهوم الهوية، موضحًا أن الهوية المصرية تشكلت عبر تراكم طويل من الأحداث والحضارات والثقافات والأديان والفنون والتجارب الإنسانية التي مرت على مصر، مؤكدًا أن هذه المكونات لم تعمل بصورة منفصلة، وإنما تفاعلت داخل المجتمع المصري على مدار التاريخ.
وأشار إلى أن الحديث عن «صناعة الهوية» يحتاج إلى قدر من الدقة، موضحًا أن الهوية، من وجهة نظره، «لا تصنع»، وإنما تتكون بصورة تراكمية عبر الزمن، مع إمكانية أن تتفاعل مع المكتسبات والثقافات الجديدة دون أن يعني ذلك التخلي عن جذورها التاريخية.
وانتقل الخرباوي إلى الحديث عن مرحلة ما قبل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، معتبرًا أن ثورة 1919 كانت محطة مهمة في بروز الوعي الوطني المصري، مشيرًا إلى أنها كشفت عن حالة من التماسك والشعور الوطني لدى المصريين، مسلمين ومسيحيين.
وأوضح أن هذه الحالة دفعت سلطات الاحتلال البريطاني، بحسب عرضه، إلى محاولة فهم أسباب تصاعد الحركة الوطنية المصرية، مستشهدًا بلجنة «ميلنر» التي جاءت إلى مصر عقب الثورة للوقوف على أسباب تنامي المشاعر الوطنية.
وأضاف أن الشعور بالهوية المصرية، وفق رؤيته، لم يكن وليد تلك المرحلة، وإنما كان نتيجة تراكم حضاري طويل، مؤكدًا أن مصر استوعبت عبر تاريخها شعوبًا وثقافات وعناصر مختلفة، لكنها أعادت دمجها داخل الشخصية المصرية، لتصبح جزءًا من النسيج الوطني.
وتطرق الخرباوي إلى رؤية حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، لمسألة الهوية والانتماء، مشيرًا إلى أن البنا طرح الإسلام باعتباره الأساس الأهم للهوية والانتماء، وأن هذا التصور اختلف عن مفهوم الهوية المصرية القائم على الانتماء الوطني والتاريخي والحضاري.
واستشهد الخرباوي بما أورده عن بعض كتابات حسن البنا، موضحًا أن البنا أكد في رسائله أن «رابطة العقيدة أقوى من رابطة الدم والأرض والمصالح والتاريخ والثقافة»، كما أشار إلى طرحه الذي يجعل العقيدة محورًا أساسيًا في تحديد دوائر الانتماء.
ورأى الخرباوي أن هذا الطرح أدى إلى تداخل بين مفهوم العقيدة ومفهوم الهوية الوطنية، موضحًا أن الشخصية المصرية تشكلت تاريخيًا من عناصر متعددة، وأن الانتماء إلى مصر لا يمكن اختزاله في عنصر واحد، في ظل تراكم تاريخي وحضاري وثقافي طويل.
واختتم الخرباوي حديثه بالتأكيد على أهمية التفرقة بين الهوية باعتبارها تراكمًا تاريخيًا وحضاريًا، وبين التصورات الفكرية التي قد تحاول إعادة تعريف دوائر الانتماء وفق مرجعيات محددة، مشددًا على ضرورة فهم تطور الهوية المصرية في سياقها التاريخي والاجتماعي والثقافي.