شاركت قبل أيام في ندوة عقدها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عبر برنامج الدراسات الإعلامية والرأي العام وجاءت تحت عنوان "جيل Z: مَن يُشكل الرأي العام لدى الأجيال الجديدة؟"، اطلعت على نتائج الورقة البحثية المهمة التي دار حولها النقاش ومداخلات الخبراء فتشكلت قناعتي بأن كل ما لم تملكه الأجيال السابقة، يملكه جيل زد بضغطة إبهامه، وقتها داهمني تساؤل مهم، إنه بالرغم من هذه الوفرة المعلوماتية التي كفلتها وسائل التكنولوجيا لهذا الجيل فإنه يُعد الأكثر شكوى من الفراغ؟ ووجدت الجواب عند امرأة فقيرة عاشت قبل اثني عشر قرنًا.
جيل زد جيل يملك كل شيء إلا المعنى؛ فقد ولد في حضن التكنولوجيا، ويحظى بفيضان معلوماتي، وفي جيبه لوحة ذكية تحوي من المعارف ما لم تجتمع في مكتبة الرشيد، وكلها تحت إمرة إصبعه، ومع ذلك تتكرر على آذننا شكوى الآباء "قد وفَّرنا كل شيء! فلماذا يبدو الابن أو البنت فارغًا؟!".
والجواب يكمن في أن الأزمة لم تعُد أزمة الوصول إلى المعرفة؛ بل أزمة وجود أثرٍ لها. ولعل أبلغ من التقط هذا الفارق امرأةٌ عاشت في القرن الثاني الهجري ولم تكن تعرف كلمة "محتوى" ولا "خوارزمية"، لكنها وضعت أول مؤشر لقياس الأداء.
هذه المرأة هي أم سفيان الثوري، والتي روى عنها الذهبي في سير أعلام النبلاء أنها كانت امرأة فقيرة تعيش بمغزلها، وأنها قالت لابنها يومًا: "اذهب فاطلب العلم وأنا أعولك بمغزلي". بذلها هذا لا يختلف كثيرًا عما يفعله آباء اليوم، هم أيضًا في سبيل تحصيل أبنائهم للعلم يبذلون حصيلة أعمالهم في مدارس دولية، ودروس خصوصية، واشتراكات وأجهزة، فينفقون كل غالٍ ونفيس في سبيل التعليم.
لكن الأعجب لم يكن في بذل أم سفيان فقط، بل في سؤالها الذي قرنته بشرطها ليكون أول مؤشر لقياس الأداء ووقفة محاسبة، فقالت لابنها: "فإذا كتبت عِدَّةَ عشرة أحاديث فانظر هل تجد في نفسك زيادة فاتبعه، وإلا فلا تَتَعنَّ"، وفي رواية عشرة أحرف، أي تحقَّق من مردود ذلك على نفسك في زيادة الخُلق والحِلم والوقار؛ فإن لم تجد أثر ذلك فاعلم أنه يضرك ولا ينفعك.
معيار هذه المرأة كان في الكيف لا الكم، لم تسأله كم حفظت؟ ولا كم أنجزت؟ سألته سؤالًا واحدًا: ماذا صنع بك ما تعلّمته؟ وبهذا المعيار الرائع أصبح الطفل سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث الشريف.
هذا المعيار هو ما يفتقده جيل زد اليوم، ليس منصّة تعلّم جديدة، بل سؤال أم تُحاسب وتسأل عن الكيف.
والمفارقة أن أبناء هذا الجيل يستهلكون في يوم واحد أضعاف ما كان يكتبه سفيان الثوري في شهر، ثم لا يسأل أحد: وماذا بعد؟ أحدهم يشاهد مقطعًا عن الرحمة، فلا تلين يده مع أخيه، وأخرى تتابع حسابًا عن الثقة بالنفس فتزداد مقارنةً بغيرها وانكسارًا.
معرفتهم تمر على الشاشة كما يمر الماء على الزجاج، يبتلّ لحظةً ثم يجفّ بلا أثر، والسبب أن أحدًا لم يعلّمهم أن يُخضعوا ما يستهلكونه لسؤال أم سفيان: هل زادني هذا خيرًا أم زادني قلقًا وغِلظة وتفاهة؟ وهنا يظهر أن أزمة جيل زد ليست أزمة أخلاق فقط، إنما أزمة قدوة بالأساس، فالسؤال لا يُزرع بالوعظ، بل يُورَّث بالمشاهدة.
جيل زد ليس كغيره من الأجيال السابقة يُخدع بالكلام، بالعكس هو جيل واعٍ نشأ في عالمٍ رأى فيه أن كل شيء يفضح نفسَه، فالصورة تُكذِّب التعليق، والفيديو يُكذّب المانشيت، لذا فقد تشكلت لدى هذا الجيل حاسة مرهفة قادرة على كشف كل أنواع التناقض في عصره، وهذا أراه وعيًا إيجابيًّا إذا أحسن استغلاله.
فهذا أبٌ يجلس إلى مائدة الطعام ويتصفح هاتفه بين لقمة وأخرى، وينهر ابنه ليترك هاتفه، فيضعه الابن صامتًا، بهذه الطريقة لن يتعلم الابن الأدب بل يتعلم شيئًا أخطر وهو أن الكلام في هذا البيت طبقةٌ فوق الواقع لا تخصّه، فجيل زد- الذي تعود على كشف الزيف من أول ثانية- لن يصدّق توجيهًا يكذّبه فعل قائله، لذلك جاء القرآني حادًّا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2-3].
جيل زد يتعلم من الفعل الصامت ما لا يتعلمه من الأمر، ولعل الدرس الذي حدث في صلح الحديبية يترجم ذلك، فالمسلمون قد وقفوا متثاقلين في صلح الحديبية حين أمرهم النبي ﷺ أن ينحروا الإبل ويتحلّلوا، فلم يقم أحد، فكرّر النبي الأمر ثلاثًا فلم يتحرك أحد.
وقتها لم يرفع النبي ﷺ صوته، بل دخل على أم سلمة رضي الله عنها يستشيرها، فأشارت عليه ألّا يكلّم أحدًا، وأن يخرج فينحر بُدنه ويحلق رأسه. خرج ﷺ ففعل صامتًا، فقام الصحابة يتسابقون ينحرون ويحلق بعضهم لبعض. وعليه فما عجز عنه الأمر المكرَّر ثلاث مرات، أنجزه فعلٌ واحد صامت.
وهذا بالضبط ما يحتاجه جيل زد الذي يستهلك محتوى نصائح طوال اليوم ولا يتأثر بشيء منه: ليس مزيدًا من الكلام، بل فعلًا يراه. ولعل أوجز تعريف للقدوة في التاريخ جاء على لسان أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عن خُلقه ﷺ فقالت: "كان خُلُقه القرآن". لم تقل: كان يأمرنا بالقرآن، قالت: كان هو القرآن ماشيًا.
جيل زد يرفض التلقي الأحادي، ويريد أن يكون طرفًا في القرار لا مجرد متلقٍّ له، يريد أن يُسمع لا أن يُؤمر، وهذه ليست نزوة عصرية، بل سبقتها السنّة المشرفة بقرون، فقد روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بشراب، فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: "أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟"، فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، قال: فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده". أي فوضعه النبي ﷺ في يده.
فقائد الأمة يستأذن طفلًا أمام كبار القوم، والطفل يرفض، فيُحترم رفضه، إن طفلًا كهذا لا ينشأ تابعًا أعمى لأحد، لا لأبيه بالإكراه، ولا لمؤثّر على الشاشة بالانبهار، وهذا عين الوعي الذي نرتجي.
جيل زد لا يُقاد بالأمر، بل يُستوعَب بالحوار، ولننظر إلى دقة القرآن في مسألة تبدو صغيرة: فطام رضيع لا يتكلم، ومع ذلك قال تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233]. إذا كان هذا في الفطام فكيف بقرارات تخصّ بالغًا يفهم ويحاور ويفتح خمس منصات في آنٍ؟
لذلك لا بد أن نترجم التعامل مع جيل زد إلى ميثاق عملي منزلي للتعامل الرقمي، أساسه سؤال أم سفيان لا القمع، حيث لا تُفرض قوانين الأجهزة فرضًا؛ بل يشارك الأبناء في وضع القانون كي يدافعوا عنه، كما أن من بنود هذا الميثاق تحديد أوقات وأماكن يُحظر فيها استخدام الأجهزة كمائدة الطعام وقبل النوم والتجمعات العائلية، كما لا بد من تفعيل الضمير والرقابة الذاتية وتجنب التجسس لقوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]. الرقابة وسيلة مؤقتة حتى ينضج "سؤال الأثر" داخله، لا بديلًا عنه.
لا بد من وجود ساعة أسبوعية لقياس الأثر نطبق فيها سؤال أم سفيان حرفيًّا: ماذا شاهدنا هذا الأسبوع؟ وماذا صنع بنا؟ زادنا خيرًا أم قلقًا؟ تطبيقًا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]. كما أنه لا بد من تفعيل فقه الوقت وصناعة البدائل "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه.." فالمنع وحده لا ينجح دون بديل ممتع: رياضة، قراءة مشتركة، عمل خيري.
ولعل أهم ما جاء في توصيتي في ندوة الأهرام هو ضرورة وجود مؤشر أداء لا يُخطئ لقياس قضايا جيل زد، فهذا الجيل ليس جيلًا فاسدًا كما يُشاع، ولا معجزة كما يُبالَغ؛ إنه جيل يملك أدوات هائلة بلا بوصلة تقيس أثرها، وأقدم بوصلة عرفناها هي سؤال امرأة فقيرة لابنها: هل زادك هذا العلم خيرًا؟
وكلما نجحت الأسرة في أن تكون قدوةً صامتة قبل أن تكون واعظًا ناطقًا، وأن تُخضع كل ما يستهلكه أبناؤها- لا لعداد المشاهدات، بل لسؤال الأثر- كانت قد ورثتهم أنفع ما عندها.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح على مائدة كل بيت: إذا شاهد ابننا اليوم عشر دقائق، فهل يرى في نفسه زيادة في الخير؟