عاجل

لم أجد أفضل من إعمال النفس اللوامة في الاعتراف بأخطاء النَّفس خاصة إذا كان هذا الخطأ تتعدى حدوده دائرة هذا الشخص المُرتكب لهذا الخطأ، بل ويتعلَّق بحقوقٍ وواجباتٍ يعدُّ التقصير فيها إهمالٌ مع سبق الإصرار والترصُّد، بل ويستحقُّ صاحبه الحرمان إن لم تنطبق عليه العقوبة.

لم تكن تلك الكلمات إلا دندنة مع النفس أشعر به في أوقاتٍ كثيرة عندما أتأمَّل فيما وهبه الله لهذا الوطن الذي تعجُّ أركاه بالخير في كل زمانٍ ومكانٍ، ولكنه بات يئنُّ ويشكو إهمال أهله ووفائهم، وإن كان هذا الإهمال مُبررًا عند البعض لبعض الأسباب إلا أنه تبريرٌ يفتقد للموضوعية تمامًا، فإن كنت تعرف التوصيف الحقيقي للوطن الذي تعيش فيه ولم ينل حظه من نصيب قلمك أو ذِكر لسانك بالإنصاف أو التقويم فأنت مواطن «عاقٌّ»، وإن كنت لا تعرف في أي بقعة تعيش وعلى أي أرضٍ تركض فالمصيبة أكبرُ، حقيقتان كلاهما أمرُّ من الأخرى، فأبناء وطنٍ بلا تاريخ كرّسوا كل جهودهم لصناعة تاريخ لوطنهم، خيرٌ من أبناء وطنٍ تنطق أراضيه بالعراقة وعبق التاريخ، لكنه يشكو حال أبنائه من أصحاب الكلمة المسموعة والوجهة المرئية ممن لم يُكلِّفوا أنفسهم أن يفخروا بانتمائهم أوأن يبرزوا جهود أجدادهم.
ودعونا ننحي كل خلافٍ وكل سببٍ في هذا الشأن جانبًا قد يثنينا عن الوفاء بحقوق الوطن، ونتَّفق على أساسٍ واحدٍ، هو أن الوطن للجميع وحقوقه على الجميع كما أن خيره ينبغي أن يكون للجميع، وإن كانت هذه المعادلات قد يختل بعض توازنها إلا أن الحقيقة التي لا يستطيع أن ينكرها أحدٌ أن الوطن باقٍ وأبناؤه أحياء، وما دام الأمر كذلك فالخلافات تذوب مع الزمان ولا يبقى إلا ماقدَّمته أنت وليس غيرك لوطنك، فلا يمكن بحال من الأحوال أن تتَّهم الآخرين بالتقصير وأنت تدرك تمامًا أنك في نفس دائرة الاتهام، فكفانًا تناقضاتٍ خاسرة.
وهنا لابد وأن أشير إلى أن المسئولية مشتركةٌ بين الجميع، لا أعفي أحدًا منها كلٌّ في موقعه وتخصصه، فالكلُّ قادرٌ على العطاء والوفاء مهما اختلفت هيئة هذا العطاء، ويزين هذا العطاء وفاءٌ من نوعٍ خاص لديه القدرة على إنشاء من العدم قبل أن يكون قادرًا على مجرَّد الحفاظ على الواقع ومنحه أدنى حقوقه، وهنا بالتأكيد أُلوِّح بالحديث عن حكمٍ هو في ذاته «فرضُ عينٍ» في حقِّ كل إعلاميٍّ احتسى من نهر هذا الوطن العظيم، ورفع رأسه بين أقرانه ممن لم يجدوا ما يقدمون به بلادهم إلا بحداثة لم تذق طعم الحضارة ولم تجد ريحها، لكنهم حاولوا صناعة وجهة طيبةٍ معتبرين ذلك جزءًا من كلٍّ لوطنٍ عاشوا فيه فقرَّروا ألا يعيش فيهم فقط، وإنمَّا أرادوا أن يعيش هذا الوطن حتى في غيرهم.

إنَّها رسالةٌ ينبغي لكلِّ مصريٍّ مهما كان موقعه أن تكون صورة وطنه علامةٌ مضيئةٌ في وجهه تحكي ما لم تنطق به الألسن، فيفخر به عندما يراه الآخرون، ويسعد بإبرازه عندما تحطُّ رحاله أيَّ أرضٍ أو تطأ أقدامه أيَّ مكانٍ، بل هو نوعٌ من الاستفاقة لابد وأن يعيه الجيل الحالي والقادم، فمهما مضى الزمان على مصرنا الحبيبة فعبق تاريخها دائمٌ لا ينقطع، وعطاء أبناءها الذين قرروا تزيين الماضي بالحاضر نهرٌ لا تجفُّ ينابيع خيراته، بل مهما تعرَّضت مصرُ لأزماتٍ فإنَّها مصونةٌ بفضل الله أولًا ثم بعصبة أبناءها ثانيًا.
لا ننكر أنَّ مصر مرَّت ولا تزال تمرُّ بأزماتٍ كغيرها، لكنها ظلَّلت وستظلُّ -بعون الله وفضله- شعلةٌ تضيئ أركان المعمورة، يفدُ إليها الوافدون من كل حدبٍ وصوب فيحلموا إلى بلادهم برقية انبهار لا تحمل سوى كلمتين هما: «الأصالة والمعاصرة»، فهكذا وجدوها، وهكذا ستكون بفضل الله، حفظ الله مصرنا الغالية في كل وقتٍ وكلِّ حين.

تم نسخ الرابط