الوعي والانضباط: ركائز بناء الإنسان وحماية الدولة المصرية
تستحق كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الاحتفال بتخريج الدفعة الجديدة للجهات والهيئات القضائية من الأكاديمية العسكرية المصرية، أن نتوقف طويلًا أمام رسائلها المباشرة وغير المباشرة، بالفحص والدراسة، لما تحمله من رؤية لواقع الدولة المصرية: أمس، واليوم، وغدًا.
الرسالة الاولى المباشرة تتعلق بمشروع بناء الانسان المصرى ، وان ذلك البناء جزء اصيل من عملية اصلاح شاملة للدولة المصرية وهى نتاج قراءة عميقة لواقع تحولات المجتمع المصرى طوال سنوات طويلة والتغير الذى طرأ على الشخصية المصرية وافتقادها لعناصر اساسية مثل الانضباط والشخصية المتوازنة ، ونلمس ذلك على الواقع مما تنقله لنا مواقع التواصل من محتوى صادم عن واقع الشارع المصرى ، او ما تنشره صفحات الحوادث من نوعيات جرائم غريبة على المجتمع وكلها تعطى اشارات لتحولات استمرت لسنوات غيرت طبيعة وشخصية المصريين ، وطفت على السطح منذ احداث يناير 2011 ، وهو امر يستلزم التحرك لاصلاح هذه التشوهات.
والتحرك جاء من جانب الرئيس مباشرة عبر اجتماعات مكثفة مع خبراء علم النفس وعلم الاجتماع وتم التوافق على برامج تدريبية والبداية من المتقدمين لوظائف الدولة ، وتم الاتفاق على ان تكون الاكاديمية العسكرية هى المعبر لتولى الوظائف فى الدولة وهو اختيار صائب تماما ، لأنها مؤسسة تمتلك خبرة متراكمة فى التدريب والانضباط والتأهيل، وهو ما يجعلها إحدى المؤسسات القادرة على تنفيذ هذا النوع من البرامج، وكل من يلتحق بهذه الدورات يدرك تماما ان المسالة بعيدة تماما عن مفهوم عسكرة الدولة والتى حاول به البعض تشوية ذلك التحرك المهم والايجابى الداعم للدولة المصرية .
ما ينقص اى خريج فى مصر اليوم هى المعرفة العامة ، معرفة الدولة وما تواجهه من تحديات ، الوضع الدولى وتداعياته على الواقع المحلى ، فضلا عن غياب قيم الالتزام والانضباط الذاتى ، ومما لاشكد فيه ان التدريب على وضع خطة للحياة وجدول عمل يومى يسمح للانسان بممارسة الرياضة والعمل والاهتمام بالصحة العامة امر ايجابى وله اثر بعيد المدى على تحسين واقع الحياة فى مصر ، خاصة وان مؤشرات الاصابة بامراض القلب بين الشباب اصبحت خطيرة ، فالجلوس ساعات طويلة امام الالعاب الاكترونية دون نشاط بدنى وايضا العمل المستمر دون راحة والابتعاد عن ممارسة الرياضة مع الاكل المشبع بالدهون والسكريات يدفع الجسد الى الصراخ بالالم مما يؤدى الى انخفاض انتاجية الفرد .
داخل الاكاديمية العسكرية يبتعد الشابة والشاب ربما للمرة الاولى عن الهاتف المحمول والتطبيقات الرقمية ومواقع السوشيال ميديا ، ليجرب الحياة بدون هواتف ، واذا شئنا الدقة بعيدا عن ادمان الهواتف ، ليجرب الحياة والتفكير بشكل طبيعى ويمارس انشطة مختلفة ويتعرف على العالم الحقيقى بعيدا عن الصور او الفيديوهات التى شكلت عالمه السابق .
فى عام 2024 اختارت جامعة اكسفورد تعبير «تعفّن الدماغ» ليكون كلمة العام فى اشارة الى التأثيرات السلبية لادمان الشباب للهاتف المحمول ومخاطر الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي السريع والسطحي، وإن كان التعبير مجازيًا وليس تشخيصًا طبيًا لتلف الدماغ ، الا انه دق ناقوس الخطر من نمط الاستخدام الذي يحوّل الانتباه إلى سلسلة متواصلة من الإشعارات والمقاطع القصيرة والمكافآت الفورية؛ فيعتاد العقل على الانتقال السريع بين المثيرات، ويصبح التركيز الطويل والقراءة المتأنية والصبر على المعرفة أكثر صعوبة، والخطر الأكبر أن نخسر، من دون أن نشعر، واحدة من أهم قدرات الإنسان: أن يمنح فكرة واحدة ما يكفي من الوقت حتى يفهمها، ويناقشها، ثم يكون رأيه بشأنها.
ربما راينا برامج كثيرة فى السابق تحث الشباب على ذلك لكن لم تؤتى ثمارها لانها لم تغرس فيهم هذه المفاهيم والقيم نظرا الى انها تستمر لفترات قصيرة وغير مركزة ، اما الانخراط فى الحياة الانضباطية داخل الاكاديمية العسكرية فالامر مختلف وكانت النتيجة ما سمعناه فى الكلمة الرائعة التى القاها اقدم الخريجيين ، وكيف ان الحياة داخل الاكاديمية العسكرية كان لها بالغ الاثر فى تطوير شخصيتهم ومهارتهم واكتساب معارف جديدة من مثقفين كبار، ربما لم يكن قد يسعفهم الوقت للقائهم والاهم التعرف على الدولة وتحدياتها وواقع الحال فى المنطقة وهى كلها معارف تساهم فى تحصين العقل وتصنع وعى حقيقى باهمية الحفاظ على الدولة .
بناء الانسان المصرى هو اساس اى اصلاح تنشده الدولة المصرية ، اصلاح يبدا لاول مرة من بناء قاعدة سليمة لبناء فرد منتج لديه معرفة ووعى وشخصية متوازنه ليضخ فى شرايين الدولة دماء جديدة تساهم فى عملية الاصلاح والتطوير بالعلم والوعى وهى خط دفاع متقدم عن مصر .
تبقى الاشارة لمعنى مهم شدد عليه الرئيس وهو تطبيق معايير واحدة على الجميع، وهو انتصار لقيمة العدالة والاستحقاق فقد تم وضع معايير تفصيلية لاختيار الشباب أو الشابات في كل وزارة وفقاً لمتطلباتها، وكان اختيار الاكاديمية العسكرية هدفه ايجاد مكان يطبق معايير صادقة لا تجامل ولا تحابي أحدًا .
وطرح الرئيس تخوفه وتحذيره من اى خلل قد يصيب معايير الاختيار والتقييم او التلاعب فى الأوزان النسبية لتلك المعايير لأن المعايير والأوزان التي وضعتها الدولة في فترات سابقة تم إهدارها واستباحتها، ولم تعد موضوعية ومن ثم توقف الاصلاح .
ثم كانت تحذيرات الرئيس من ثلاث افات شخصية يمكن ان تفجر اى مجتمع من الداخل، الاولى الاستعلاء بالمنصب، والثانية الاستعلاء بالدين، والثالثة الاستعلاء بالاستقامة وهى كلها تفتح المجال لمناقشة جادة لما حدث فى يناير 2011 من زاوية اخرى .
اذا تحدثنا عن الاستعلاء بالمنصب ، استطيع القول انه كان أحد العوامل التي عمّقت الفجوة بين مؤسسات الدولة وقطاعات من المجتمع، وأسهمت في تراكم حالة من الاحتقان كان يمكن استغلالها سياسيًا وتنظيميًا، لان استعلاء البعض بالوظيفة او المنصب كان السبب فى صناعة فجوة مع الناس تحولت الى احتقان نشأ عنه انفجار مجتمعى بعدما تم تغذيته من تنظيمات تستخدم مثل هذه التصرفات الفردية وتعممها على كامل مؤسسات الدولة ومن ثم التحذير من هذه الفكرة واجب لحماية الدولة من استغلال الاستعلاء بالمنصب فى عملية الهدم ، وان الموظف العام يجب ان يتحلى بالبساطة والتواضع والسعى الجاد لحل مشاكل الناس وان يتحول احتواء الغاضبين الى منهج حياة فى اى دولة تبحث عن النجاة فى عالمنا المعاصر .
أما الاستعلاء بالدين، فهو أمر عانى منه المجتمع المصري طويلًا، حين عجز في بعض المراحل عن مواجهة موجات التطرف العنيف التي بنت خطابها على وهم امتلاك الحقيقة الدينية المطلقة، وعلى فكرة «الفرقة الناجية»: نحن وحدنا نمثل الدين، وما عدانا على خطأ أو ضلال. وهي فكرة تقوم على التعصب والتمييز، ولا تعبر عن جوهر الدين الذي يضع الإيمان في مساحة الاختيار والمسؤولية الفردية، ولا يمنح أحدًا حق الوصاية على ضمائر الآخرين أو احتكار الحقيقة باسم الله. فالعلاقة بين الإنسان وربه لا تحتاج إلى وسيط يفرض أو يملي أو يتلاعب بمشاعر الناس عبر إشعارهم الدائم بالتقصير والذنب، وقد أظهرت تجارب الدول التي وقعت تحت سطوة التنظيمات المتطرفة أن تحويل الدين إلى أداة للهيمنة والإقصاء لا يقود إلى الاستقرار، بل يمكن أن يفتح الطريق أمام الصراع والانقسام والعنف وضياع الدولة.
أما الاستعلاء بالاستقامة، فهو صورة أكثر نعومة، لكنها ليست أقل خطورة، ونراها يوميًا على مواقع التواصل الاجتماعي. أشخاص ينصبون أنفسهم قضاة على الآخرين، لأنهم يرون أنفسهم أكثر التزامًا أو انضباطًا أو استقامة، فيتحول ما يفترض أن يكون فضيلة شخصية إلى أداة لتحقير الآخرين والتنمر عليهم وإدانة اختياراتهم. والاستقامة، في حقيقتها، امتحان شخصي لا يمنح صاحبه سلطة أخلاقية على غيره، ولا تصنع منه وصيًا على الناس، فالإنسان قد يجتهد في إصلاح نفسه، لكنه لا يملك صكوكًا للحكم على قلوب الآخرين أو اختزالهم في أخطائهم. وبين التدين والاستعلاء بالدين مسافة، كما أن بين الاستقامة والاستعلاء بالاستقامة مسافة أخرى؛ وفي الحالتين تبدأ المشكلة عندما تتحول الفضيلة من سلوك يخص صاحبها إلى سلطة يستخدمها للحكم على الآخرين.
المؤكد ان بناء الانسان هو علاج لاخطر الثغرات التى ظهرت فى الوعى العام و اعلنت عن نفسها بصورة قاسية خلال احداث يناير 2011 ، وقتها شهدت البلاد حالة غير مسبوقة من الاستقطاب والانقسام، وتعرضت مؤسسات الدولة لضغوط واختبارات شديدة، وظهرت خلال تلك المرحلة ائتلافات وكيانات وحركات رفعت شعارات الثورة، ومارست أدوارًا وضغوطًا متباينة على مؤسسات الدولة، في مشهد بالغ التعقيد انتهى إلى حالة من الارتباك المؤسسي والسياسي والاقتصادي.
اتضح وقتها ان السبب مرتبط بأن فكرة الدولة غائمة عند عموم الناس، والاخطر لدى موظفى الدولة ، وتمكن التنظيم الارهابى من التسلسل بافكاره الى الوعى العام ، وتوجية الاتهامات المتكررة الى مؤسسات الدولة لاسيما القوات المسلحة والشرطة والمؤسسات الامنية بهدف تفكيكها واخونتها والسيطرة عليها لصالح التنظيم .
ولا تزال الدولة تواجه محاولات من قوى وتنظيمات تسعى إلى استغلال نقاط الضعف المجتمعية، وإعادة إنتاج خطاب يستهدف الثقة في مؤسساتها، وهو ما يجعل بناء الوعي العام جزءًا من حماية الدولة، وهو ما حذر منه الرئيس، فالمسؤولية في هذا الصدد تقع على الجميع، وليس فقط على المسؤولين والمفكرين والاعلاميين.
مصر هى الناجى الوحيد من التدمير فى المنطقة ، تلك ارادة الله اولا ، ويقظة الشعب المصرى ومؤسساته الحامية على راسها القوات المسلحة والشرطة ، النجاة لا تعنى ان الخطر قد زال بل هى فرصة اخرى للاصلاح الشامل ، تغيير يضمن وصول افضل العناصر للمناصب وتأهيلهم لمواجهة الضغوط والتحديات واعلاء قيمة الانتماء للوطن فالمسالة لا تتعلق بحماية شخص الرئيس او الحكومة بل تتعلق بحماية وطن لا يملك موارد لتكرار تجربة السقوط أوالوقوع فى براثن الفوضى فى دولة يسكنها اكثر من 100 مليون انسان هدفهم الرئيسى ان التقدم وليس الارتداد سنوات وسنوات الى الوراء .