عاجل

من أخطر ما يمكن أن يصيب التدين أن يتحول من علاقة بين الإنسان وربه إلى وسيلة ينظر بها إلى الناس من أعلى. فالتدين في أصله يربي الإنسان على التواضع، ويذكره دائما بأنه عبد لله، وأنه مهما بلغ من علم أو عبادة أو استقامة، فلا يملك أن يفتش في قلوب الناس، ولا أن يمنح نفسه مكانة فوقهم، وأن خاتمة الإنسان لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

ولعل هذا هو المعنى الذي استوقفني في حديث السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أمس، حين حذر من الاستعلاء بمختلف صوره، ولم يقصر حديثه على الاستعلاء بالمناصب والوظائف، وإنما أضاف إليه الاستعلاء بالتدين أو بالشعور بالاستقامة، وذلك في  حديثه عن إعداد وتأهيل كوادر الدولة، لكنها في تقديري تتجاوز حدود الوظيفة إلى معنى إنساني وأخلاقي أوسع، لأن الإنسان قد يستعلي بما يملك، وقد يستعلي بما يعرف، وقد يستعلي أيضًا بما يظن أنه يملكه من فضل ديني أو أخلاقي على غيره.

والحقيقة أن الاستعلاء بالتدين ليس دائمًا صورة صريحة أو فجة لأنه أحيانًا يبدأ بكلمة تبدو في ظاهرها نصيحة، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى محاكمة. فيبدأ الأمر بأن يقول أحدهم للآخر أنصحك بكذا، ثم لا يلبث أن يتعامل مع نصيحته باعتبارها حكمًا نهائيًا لا يقبل النقاش. وإذا لم يستجب له، انتقل من النصح إلى الاستنكار، ثم من الاستنكار إلى الاتهام، وكأن عدم الأخذ برأيه دليل على ضعف الدين أو فساد الأخلاق.
وهنا بالضبط تبدأ المشكلة.

فالنصيحة شيء، والوصاية شيء آخر. لأن النصيحة أن تقول ما تعتقد أنه خير، ثم تترك للإنسان مساحة الاختيار وتحمل المسؤولية، ولكن الوصاية هي أن ترى نفسك صاحب سلطة على حياة الآخرين، تراقب ملابسهم، وطريقة حديثهم، وعلاقاتهم، واختياراتهم، وتوزع عليهم درجات الإيمان والاستقامة بحسب قربهم أو بعدهم عما تراه أنت.

والأشد خطرًا أن تتحول هذه النظرة إلى شعور شيطاني داخلي بالتفوق كما فعل الشيطان الرجيم حين قال عن أبونا آدم عليه السلام: (أنا خير منه)، فينمو عند الإنسان هذا الشعور، أنا أكثر تدينًا، إذن أنا أفضل. أنا أكثر التزاماً، إذن من حقي أن أحكم. أنا أعرف من الدين أكثر، إذن علي أن أصحح الناس جميعًا وأقيم تدينهم.

لكن من قال إن كثرة الحديث عن الدين تعني بالضرورة حسن التدين؟ ومن قال إن مظهر الاستقامة يسمح لصاحبه بأن يزكي نفسه على الناس؟

القرآن يضع هذه المسألة في موضع بالغ الدقة حين يقول الله سبحانه وتعالى: (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى). فالإنسان قد يعرف من أعماله ما يظهر للناس، لكنه لا يعرف حقيقة نفسه كما يعلمها الله سبحانه، فضلًا عن أن يعرف حقيقة الآخرين. وقد يرى من شخص خطأ لا يعرف ظروفه، أو يرى منه تقصيرًا لا يعرف ما بينه وبين ربه، وربما كان لهذا الذي نحكم عليه عند الله من الخفايا والصالحات ما لا نراه نحن.

ولذلك كان من أخطر الأمور أن يتحول التدين إلى أداة لتقسيم الناس إلى فئات، هذا متدين، وهذا أقل تدينا، وهذا صالح، وهذا بعيد، وهذا يستحق الاحترام، وهذا لا يستحقه. فالله وحده يعلم السرائر، والناس في النهاية بشر يخطئون ويصيبون، ويضعفون ويقوون، ويتقدمون ويتراجعون في إيمانهم.

المفارقة أن الإنسان كلما ازداد فهما للدين يفترض أن يزداد تواضعًا، وليس إحساسا بالتفوق. فالعلم الحقيقي لا يجعل صاحبه متعاليًا، وإنما يجعله أكثر إدراكًا لحجم ما يجهله. وكذلك التقوى الحقيقية لا تدفع الإنسان إلى احتقار الناس، وإنما تجعله أكثر خوفًا على نفسه من أن يظلم أحدًا أو يجرح قلبًا أو يتجاوز حدود ما لا يملك.

وهنا أتذكر معنى عظيما في قصة إبليس عليه لعائن الله. لم تكن مشكلته أنه لم يكن يعرف الله، وإنما كانت مشكلته الكبرى في الاستعلاء: (أنا خير منه). كانت لحظة المقارنة هي لحظة السقوط. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن تتحول العبادة في داخله من طريق إلى الله إلى وسيلة للمقارنة بالخلق.

نحن في حاجة اليوم إلى استعادة معنى بسيط أنه ليس مطلوبًا من المتدين أن يكون رقيبًا على الناس، وإنما أن يكون رقيبًا على نفسه. وكذلك ليس مطلوبًا منه أن يثبت أنه أفضل من غيره، وإنما أن يسأل نفسه كل يوم هل أصبح أكثر رحمة، وأكثر صدقًا، وأكثر أمانة، وأكثر قدرة على العفو، وأقل ميلًا إلى الظلم والحكم على الآخرين.

فالدين الذي يجعل الإنسان قاسيًا على أهله، متعاليًا على جيرانه، محتقرًا لمن يختلف معه، متربصًا بأخطاء الناس، يحتاج صاحبه أن يتوقف مع نفسه قليلًا ويحاسبها ويراقبها، لا أن يتوقف مع الناس.

وليس معنى ذلك أن نتخلى عن النصيحة أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، فهذه قيم أصيلة، لكن الفرق كبير بين أن تنصح إنسانًا لأنك تحبه وتريد له الخير، وبين أن تنصبه متهمًا لأنك ترى نفسك في موقع القاضي، ويكون استعلاء في ثوب النصيحة.

كما أن احترام حرية الإنسان لا يعني أن يصبح الخطأ صوابًا، ولا يعني أن نتخلى عن القيم. لكنه يعني أن ندرك حدود مسؤوليتنا، وأن نعرف أن الهداية ليست ملكا لأحد.

وكم من إنسان ظن أنه ينقذ الناس من أخطائهم، فإذا به يخسر قلوبهم، وكم من كلمة قيلت باسم الدين أغلقت بابًا إلى رضوان الله كان يمكن أن يظل مفتوحًا.

لهذا تبدو الإشارة إلى خطورة الاستعلاء بالتدين مهمة في هذا الوقت. فالمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الذين يفتشون في أخطاء بعضهم بعضُا، بقدر ما يحتاج إلى من يذكرون الناس بالرحمة والصدق وحسن المعاملة.

وكما أن المنصب لا يمنح صاحبه قيمة إنسانية أعلى من الآخرين، فإن التدين أيضا ليس سلما يصعد به الإنسان فوق الناس. المنصب مسؤولية، والتدين مسؤولية، والعلم مسؤولية، وكلما اتسعت المسؤولية كان المطلوب من صاحبها أن يكون أكثر تواضعا.

ربما يكون أجمل ما في التدين أن يجعلك تعرف حجمك الحقيقي أمام الله، وليس أن يجعلك تشعر بحجمك أمام الناس، وفي النهاية لا أحد منا يملك أن يمنح نفسه شهادة بالتقوى. تلك شهادة لا يملكها بشر. أما ما نستطيع أن نفعله فهو أن نحاول أن نكون أفضل مما كنا عليه بالأمس، وأن نترك للآخرين مساحة لأن يسيروا في طريقهم إلى الله دون أن نقف نحن على الطريق لنحاسبهم.

فمن عرف الله حقًا، عرف أن الطريق إليه لا يبدأ بالنظر إلى الناس من فوق، وإنما يبدأ بالنظر إلى النفس أولًا ومحاسبتها وإصلاحها.

تم نسخ الرابط