عاجل

«اتصلت برقم أبي».. عمرو الليثي يكشف تفاصيل رسالة أبكت قلبه عن الفقد والمرض

 الإعلامي عمرو الليثي
الإعلامي عمرو الليثي

أكد الإعلامي د. عمرو الليثي أنه كلما تقدم بنا العمر، اكتشفنا أن الحنين ليس اشتياقًا إلى الأماكن بقدر ما هو اشتياق إلى الأشخاص الذين كانوا يملأونها بالحياة.

وتابع أشتاق إلى طفولتي، إلى منزلنا القديم في وسط البلد، إلى جيراننا، إلى أصحابي ورفاق المدرسة، وإلى وجوه كثيرة رحلت فجأة دون أن تمنحنا فرصة للوداع… أشتاق إلى أبي وأخي، إلى أعمامي وأخوالي وخالاتي وأجدادي… أشتاق إلى زمن كان فيه كل هؤلاء حولي، وكنت أظن، بسذاجة الطفولة والشباب، أنهم سيبقون إلى الأبد… منذ أيام وجدت رقم تليفون منزلنا القديم. لا أعرف لماذا اتصلت به... ربما أردت أن أطمئن على طفولتي!

وأضاف خلال تصريحات صحفية خاصة: رن الهاتف طويلًا ولم يجب أحد… ظللت أستمع إلى الرنين، وفي داخلي إحساس غريب بأن أحدًا من زمان سيأتي مسرعًا ليرفع السماعة، وأنني سأسمع صوتًا أعرفه يقول: «آلو».. لكن أحدًا لم يجب… والأغرب أنني بعدها، ودون وعي، اتصلت برقم آخر. انتظرت فوجدته مغلقًا… نظرت إلى الرقم، وفجأة اكتشفت أنه رقم أبي!

وتابع: أبي الذي رحل، بينما رقمه ما زال يسكن هاتفي وذاكرتي وقلبي، لكن الأصعب من الاشتياق إلى من رحل، أن تخاف على من بقي… أن تنظر حولك فتكتشف أن دائرة العمر تضيق، وأن «ريحة زمان» لم تعد بيتًا قديمًا أو شارعًا أو رقم تليفون، بل أصبحت وجوهًا قليلة جدًا، تخشى عليها من الغياب… ومن بين كل الوجوه، بقي لي أحمد وعبد الحميد. ليسا مجرد صديقين… هما قطعتان من عمري… شهدا معي المدرسة والشباب، وعرفا أحلامي الأولى، وعاشا أفراحي وانكساراتي، وكبرنا معًا عامًا بعد عام… هناك أصدقاء نلتقي بهم في مرحلة من حياتنا، وهناك أصدقاء يصبحون هم أنفسهم جزءًا من حياتنا وذاكرتنا.. وهكذا كان أحمد وعبد الحميد بالنسبة لي.

وتابع أحمد، طبيب الأطفال، لم يكن فقط صديقي، بل كان واحدًا من أهل بيتي… عاش معي ميلاد أبنائي وطفولتهم. كم رفعت سماعة الهاتف مذعورًا أقول له: «الحقني يا أحمد.. ياسمين سخنة»، أو «تعالى يا أحمد.. شريف بيكح». وكان يأتي، ويطمئنني، ويعيد الهدوء إلى قلبي قبل أن يعيده إلى البيت… مرت السنوات، وكبر أبنائي، وكبرنا نحن أيضًا. ثم مرض أحمد بالسرطان... يا لقسوة تبدل الأدوار! أحمد الذي كنت أستنجد به كلما مرض أحد أبنائي، أصبحت أنا عاجزًا أمام مرضه… هو الذي كان يخفف خوفي، لم أعد أملك له إلا أن أتصل به كل يوم، أسمع صوته، وأطمئن عليه، وأدعو الله في سري أن يخفف ألمه ويمنحه القوة... وبينما قلبي مع أحمد، جاءتني منذ أيام رسالة من عبد الحميد… عبد الحميد، رفيق العمر الآخر، الذي يحمل معي صندوقًا كاملًا من الذكريات التي لا يعرفها سوانا… فتحت رسالته فوجدته يقول لي: «إزيك يا حبيبي.. أنا الحمد لله.. جالي سرطان.. أنا راضي يا عمرو.. الحمد لله».

توقفت أمام كلمة «أنا راضي» طويلًا. أي قوة يحتاجها الإنسان ليكتب هذه الكلمات وهو يواجه هذا الألم؟ وأي وجع يمكن أن يشعر به صديق يقرؤها ولا يملك أن يفعل شيئًا؟ وجدت نفسي فجأة بين أحمد وعبد الحميد.. صديقيَّ اللذين حملا معي العمر، وكأن المرض امتدت يده إلى آخر ما بقي لي من زمن جميل أخشى فقدانه... وفي اللحظة نفسها، ابنتي مريضة، وأعز أصدقائي يتألمون، وكثير ممن أحببتهم سبقونا إلى رحمة الله… هنا فقط تسقط أشياء كثيرة من حسابات الإنسان… ما قيمة منصب؟ وما قيمة مال؟ وما قيمة خصومة انتصرنا فيها أو معركة أضعنا أعمارنا نخوضها؟ الحياة في النهاية ليست ما جمعناه، بل مَن بقي معنا ونحن نجمعه.

هي أب نتمنى لو يرد على الهاتف، وبيت قديم نتمنى لو يُفتح بابه، وصديق مريض نتمنى لو نستطيع أن نأخذ عنه بعض ألمه.

أحمد وعبد الحميد.. لا أملك لكما إلا الدعاء، لكنني أملك أن أقول لكما اليوم ما ربما لا نقوله لأصدقائنا كثيرًا: أنتما لستما صديقين في حياتي.. أنتما جزء من حياتي نفسها. اللهم اشفِ أحمد وعبد الحميد، واشفِ ابنتي وكل مريض، وارحم من رحلوا عنا… وعلِّمنا، قبل فوات الأوان، أن نحب من بقي كما نشتاق إلى من رحل.

تم نسخ الرابط