عاجل

حسام الشاهد: تدفق السيولة نحو العقارات استجابة طبيعية في ظل تغيرات الاقتصاد

حسام الشاهد
حسام الشاهد

أكد حسام الشاهد - خبير التطوير العقاري ورئيس القطاع التجاري بشركه كيان للتطوير العقاري علي إن التحولات التي شهدها السوق العقارية المصرية خلال السنوات الأخيرة تفرض إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين العقار باعتباره سلعة سكنية واستثمارية، وبين دوره المتزايد كأداة لحفظ القيمة والثروة، موضحًا أن ارتفاع أسعار العقارات لا يمكن قراءته بمعزل عن المتغيرات الاقتصادية التي دفعت شريحة واسعة من المدخرين والمستثمرين إلى البحث عن أصول قادرة على الحفاظ على قيمة أموالهم في مواجهة التضخم وتقلبات الأسواق.

وأضاف الشاهد  أن تدفق جزء كبير من السيولة نحو العقارات يمثل في جانب منه استجابة طبيعية لسلوك المستثمرين في بيئة اقتصادية تتغير فيها قيمة النقود بصورة سريعة، إلا أن استمرار هذه الظاهرة يطرح سؤالًا أكثر أهمية يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين الوظيفة الاستثمارية للعقار وبين وظيفته الأساسية كأحد مكونات الاحتياجات السكنية، خاصة مع اتساع الفجوة بين مستويات الأسعار وقدرة شرائح من المواطنين على تحمل تكلفة الحصول على وحدة سكنية.

وأشار الشاهد  إلى أن الحديث عن وجود «فقاعة عقارية» لا ينبغي أن يختزل في مجرد ارتفاع الأسعار، لأن تقييم وضع السوق يحتاج إلى النظر في مجموعة أوسع من المؤشرات، من بينها مستويات الطلب الفعلي، ومعدلات الإشغال، وحجم الوحدات غير المستغلة، ومعدلات إعادة البيع، وهيكل التمويل، وقدرة المشترين على الوفاء بالتزاماتهم، إلى جانب العلاقة بين الأسعار ومستويات الدخول.

وأوضح أن العقار أصبح خلال السنوات الماضية بالنسبة إلى قطاعات من المستثمرين وسيلة للتحوط من التضخم والحفاظ على القيمة، وهو ما ساهم في استمرار جاذبيته كوعاء ادخاري واستثماري، إلا أن تحول نسبة متزايدة من الأصول العقارية إلى مخزن للثروة دون استخدام فعلي أو تطوير اقتصادي منتج يمكن أن يخلق تحديًا أمام كفاءة تخصيص الموارد، خصوصًا عندما تصبح الأرض أو الوحدة السكنية هدفًا للاحتفاظ بالقيمة أكثر من كونها أصلًا مستخدمًا أو مولدًا لنشاط اقتصادي.

وأكد الشاهد علي أن الدولة تتحرك حاليًا باتجاه مزيد من تنظيم السوق العقارية ورفع مستويات الحوكمة والشفافية، إلى جانب تعزيز حماية حقوق المشترين وتنظيم العلاقة بين أطراف المنظومة، وهي خطوات مهمة في بناء سوق أكثر انضباطًا، لكن ملف القدرة على تحمل تكاليف السكن يحتاج في الوقت نفسه إلى معالجة اقتصادية أوسع ترتبط بكيفية توجيه المعروض والتمويل والاستثمار نحو الاحتياجات الفعلية للمجتمع.

ولفت إلى أن تجارب عدد من الأسواق الدولية أظهرت إمكانية استخدام مجموعة متنوعة من الأدوات لتحقيق هذا التوازن، من بينها ربط بعض الحوافز الاستثمارية بتوفير وحدات ميسورة التكلفة، وتقديم حوافز ضريبية للمشروعات التي تزيد المعروض الموجه إلى الشرائح المستهدفة، وتوجيه جانب من التمويل نحو مشروعات تستجيب للاحتياجات السكنية الحقيقية بدلًا من التركيز فقط على الشرائح الأعلى قدرة شرائية.

وأوضح أن نقل هذه التجارب إلى السوق المصرية لا يعني تطبيق نموذج جاهز بصورة حرفية، وإنما الاستفادة من أدواتها بما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد المصري وهيكل الملكية ومستويات الدخول واحتياجات المدن الجديدة والمناطق العمرانية المختلفة، مؤكدًا أن السياسة العقارية الفعالة يجب أن توازن بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على جاذبية القطاع من جهة، وتوفير منتجات سكنية تتناسب مع القدرات الشرائية المختلفة من جهة أخرى.

وأقترحً الشاهد  بأن الضريبة العقارية يمكن أن تكون أحد العناصر التي تدخل في هذه المعادلة إذا جرى تطويرها ضمن رؤية متكاملة، بحيث لا ينحصر دورها في كونها موردًا ماليًا للخزانة العامة، وإنما يمكن دراسة كيفية توظيف السياسة الضريبية لتحفيز الاستخدام الأكثر كفاءة للأصول العقارية، مع مراعاة طبيعة الملكية والسكن الفعلي والأنشطة الاقتصادية والشرائح الاجتماعية المختلفة.

وأضاف أن أي توجه نحو استخدام الضرائب كأداة لتنظيم السوق يجب أن يكون محسوبًا ومتدرجًا، حتى لا يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في تحميل المستخدم النهائي أعباء إضافية أو التأثير على الاستثمار المنتج، مشددًا على أن الهدف يجب أن يكون تحسين كفاءة استخدام الأصول وتحفيز التطوير والاستخدام الفعلي، وليس فرض أعباء جديدة على السوق بمعزل عن ظروفها الاقتصادية.

وأكد أن معالجة ارتفاع أسعار العقارات لا يمكن أن تعتمد على أداة واحدة، سواء كانت زيادة المعروض أو تنظيم عمليات المضاربة أو تطوير السياسة الضريبية، لأن السوق العقارية ترتبط بمجموعة كبيرة من المتغيرات، تشمل تكلفة الأرض ومواد البناء والتمويل وأسعار الفائدة ومستويات الدخول والتوزيع الجغرافي للطلب وسلوك المستثمرين.

و ذكر الشاهد  أن زيادة المعروض تظل عنصرًا أساسيًا، لكن الأهم هو نوعية المعروض وموقعه وسعره وتوقيت طرحه ومدى توافقه مع القدرة الشرائية للفئات المستهدفة، موضحًا أن ضخ وحدات جديدة لا يضمن بالضرورة معالجة أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن إذا كان الجزء الأكبر من هذا المعروض موجهاً إلى شرائح لا تمثل الاحتياج السكني الأكبر.

وألمح الشاهد  إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من النظر إلى السوق العقارية باعتبارها محركًا للمبيعات والاستثمار فقط، إلى التعامل معها باعتبارها أحد القطاعات المؤثرة في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتوزيع الثروة واستخدامات الأراضي، وهو ما يجعل تطوير منظومة البيانات والشفافية وقياس الطلب الحقيقي من العناصر الأساسية لصياغة سياسات أكثر دقة.

واختتم الشاهد بأن مستقبل السوق العقارية المصرية لن يرتبط فقط بقدرتها على تحقيق معدلات نمو ومبيعات مرتفعة، وإنما بقدرتها على تحقيق توازن أكثر استدامة بين الاستثمار والسكن، وبين حفظ القيمة والاستخدام الفعلي، مؤكدًا أن تنظيم السوق لا ينبغي أن يستهدف الحد من الاستثمار العقاري، وإنما توجيه هذا الاستثمار نحو نموذج أكثر كفاءة يضمن استمرار جاذبية القطاع للمستثمرين، وفي الوقت نفسه يوسع فرص الوصول إلى سكن مناسب لمختلف شرائح المجتمع، بما يعزز استقرار السوق ويجعل نموها أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الحقيقي واحتياجات المجتمع.

تم نسخ الرابط