تمر الدولة المصرية بمرحلة دقيقة من تاريخها المعاصر.. مرحلة لا تقتصر تحدياتها على الجوانب الاقتصادية أو السياسية بل تمتد لتستهدف البنية الثقافية والمنظومة القيمية للمجتمع.. في ظل وجود أطراف متربصة تسعى لتقويض أركان الدولة.. فلم يعد "الوعي" مجرد رفاهية فكرية بل تحول إلى ضرورة أمن قومي.. وحائط الصد الأول لحماية الهوية الوطنية والتماسك المجتمعي.
إن استهداف الدول في العصر الحديث لم يعد يعتمد بالدرجة الأولى على المواجهات العسكرية المباشرة بل انتقل إلى ما يُعرف بـ "حروب الجيل الرابع والخامس"، والتي تتخذ من عقول المواطنين ميداناً لها.. حيث يستغل المتربصون بالدولة المصرية أي ثغرة لخلخلة الثقة بين المواطن ومؤسساته.. وهنا تكمن أهمية استعادة الوعي الحقيقي.. وهو الوعي القائم على الفهم العميق لحجم التحديات والقدرة على التمييز بين النقد البناء الذي يهدف للإصلاح.. وبين الشائعات الممنهجة التي تستهدف نشر الإحباط واليأس وتفكيك النسيج الوطني.
فقد شهد المجتمع في الآونة الأخيرة مظاهر من الانفلات الأخلاقي صاحبها انتشار عشوائي لكثير من منصات التواصل الاجتماعي التي تعلي من قيم "المشاهدات والربح السريع" على حساب الفضيلة والقيم الأصيلة. هذا الانفلات ليس شأناً سلوكياً فردياً فحسب بل هو معول هدم يؤثر على كفاءة الدولة وإنتاجيتها.. ولا ننسى بالطبع النماذج التي يراها الشباب في حفلات الساحل التي لاتمر دون كوارث ثقع فيها حاصة حفلات نمبر وان كما حدث بالحفل الأخير من تجاوزات وتحرش غير مسبوق وغير مقبول.
ولمواجهة هذا الانفلات يتطلب الأمر استراتيجية شاملة تشترك فيها عدة أطراف أولها المؤسسات الدينية والثقافية (الأزهر، الكنيسة، ووزارة الثقافة) عبر تجديد الخطاب الديني والثقافي ليكون قريباً من الشباب والتركيز على الأخلاق المعاملاتية مثل الأمانة، والمسؤولية، وإتقان العمل.
أما المنظومة التعليمية فهي في حاجة لإعادة بناء وتأهيل بعد أن فقدت دورها وهدفها وذلك بإعادة تفعيل حصص التربية الدينية والأخلاقية والأنشطة المدرسية التي تغرس قيم الانتماء واحترام الآخر.
والإعلام والدراما أيضا عليهما الدور الأكبر في تصحيح مفاهيم كثيرة خاطئة بتقديم قدوات إيجابية للمجتمع والابتعاد عن تهميش القيم أو تصدير نماذج البلطجة والابتذال كأبطال شعبيين كما يحدث في الدراما منذ سنوات وكانت نتائجه هي ما نعيشه الآن من فوضى أخلاقية وبلطجة في الشارع المصري.
وأخيرا وليس آخرا التصدي لاستغلال الظروف الاقتصادية في هدم الدولة ..فمصر تمر كغيرها من دول العالم بظروف اقتصادية ضاغطة ناتجة عن أزمات عالمية وإقليمية متلاحقة.. هذا الوضع الاقتصادي الصعب يستغله البعض كأداة رئيسية لتنفيذ أجندات تهدف إلى هدم الدولة من خلال ترويج أفكار تشاؤمية مطلقة لإقناع المواطن بأن الإصلاح مستحيل... وتحريض الفئات الأكثر تأثراً بالأزمة وضخ طاقات سلبية تدفع نحو الفوضى..بالإضافة إلى ربط المشكلات الاقتصادية بالهوية الوطنية لمحاولة إضعاف شعور الانتماء.
إن مواجهة هذا الاستغلال الخبيث لا تعني إنكار الأزمة أو تجميلها بل تعني وضعها في سياقها الصحيح والموضوعي..ولإجهاض هذه المحاولات يجب العمل على محاور متوازية أولها الشفافية والمكاشفة وأن تستمر مؤسسات الدولة في عرض الحقائق للمواطنين وشرح أبعاد الأزمات والخطط البديلة بكل وضوح فالإنسان الواعي بالحقائق شريك في المواجهة.. أما المتروك للمجهول فيكون صيداً سهلاً للشائعات.
أيضا من الضروري تعزيز دور المجتمع المدني والمبادرات الوطنية لتخفيف العبء عن الفئات الأولى بالرعاية مما يقطع الطريق على من يحاولون استغلال حاجة الناس المادية لتوجيههم ضد وطنهم.. إلى جانب تفكيك الخطاب الهدام وتفنيد الأفكار التي تربط بين الضغط الاقتصادي المؤقت وبين فكرة تفكيك الدولة والتأكيد على أن زوال الدول أو الفوضى لا يحل أزمة اقتصادية بل يدمر كل مقومات الحياة والشواهد الإقليمية المحيطة بنا خير دليل.
إن معركة استعادة الوعي هي معركة وجودية للدولة المصرية.. والوعي المطلوب ليس وعياً سلبياً يكتفي بالمشاهدة بل هو وعي إيجابي فاعل يترجم إلى عمل وإنتاج وتمسك بالقيم الأخلاقية والوقوف صفا واحدا خلف مؤسسات الدولة.. إن الأزمات الاقتصادية تذهب وتأتي.. لكن الأوطان إذا ضاعت أو تفككت منظومتها الأخلاقية فإن استعادتها تكون بالغة الصعوبة.
إن حماية مصر تبدأ من استعادة الوعي ومسئولية ذلك تقع على الجميع حكومة وشعبا فهل نفيق قبل أن تقع الكارثة ؟؟