سوريا.. مواطن يسكب البنزين على نفسه احتجاجا على ارتفاع أسعار الوقود
تصاعدت الاحتجاجات في عدد من المناطق السورية، الأحد، رفضًا للزيادات الجديدة في أسعار المحروقات وما تفرضه من أعباء إضافية على السكان، في وقت امتدت فيه التحركات إلى مناطق عدة في حلب وإدلب والحسكة ودير الزور والرقة وريف دمشق.
وشهدت مناطق في شرق سوريا تجمعات احتجاجية وقطعًا للطرق وإشعالًا للإطارات، فيما أقدم محتجون على منع مرور صهاريج النفط، اعتراضًا على ارتفاع أسعار البنزين والمازوت وتداعياته على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات.
وفي قرية الحردان عند مفرق البوحمد شرقي مدينة الرقة، تجمع عشرات المحتجين وأغلقوا عددًا من الطرق الرئيسية، احتجاجًا على قرار رفع أسعار المحروقات.
وأظهر مقطع فيديو متداول أحد المحتجين وهو يسكب البنزين على نفسه محاولًا إضرام النار، قبل أن يتدخل عدد من الأهالي ويمنعوه من ذلك.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، أطلقت عناصر من القوات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية السورية الرصاص الحي لتفريق المحتجين، في وقت سادت فيه حالة من التوتر خلال محاولة القوات فتح الطرق وإخلائها من المتظاهرين.
وأفادت مصادر أهلية، وفق المرصد، بأن عددًا من الآليات والسيارات التابعة للقوات الأمنية تعرض للرشق بالحجارة من جانب محتجين غاضبين خلال المواجهات التي رافقت الاحتجاجات.
احتجاجات تمتد إلى مناطق عدة
وتأتي هذه التطورات في ظل اتساع رقعة الاحتجاجات في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، حيث أقدم محتجون في عدد من البلدات والقرى على قطع الطرق وإشعال الإطارات، إلى جانب منع مرور صهاريج النفط، اعتراضًا على ارتفاع أسعار المحروقات وتداعياته الاقتصادية والمعيشية.
كما شهدت مناطق في حلب وإدلب والحسكة ودير الزور والرقة وريف دمشق احتجاجات رفضًا لرفع أسعار المحروقات.
وأفادت تقارير محلية بخروج تجمعات في بلدات ومناطق عدة، بينها مركدة والطيانة والميادين والشحيل والكرامة، فيما تحدثت التقارير عن توقف شاحنات عند معبر البوكمال الحدودي مع العراق، إلى جانب قطع طرق وإضراب بعض سائقي النقل.
وفي حلب ودمشق، أغلقت احتجاجات طرقًا رئيسية، فيما أشعل متظاهرون النيران وعرقلوا حركة المرور على الطريق السريع بين حلب ودمشق. كما سُجلت تحركات مماثلة في مدن ومناطق أخرى، بينها دير الزور والباب، بالتزامن مع احتجاجات في الرقة والحسكة.
وتزامنت هذه التحركات مع دخول نشرة جديدة لأسعار المشتقات النفطية حيز التنفيذ الأحد، تضمنت زيادات في أسعار عدد من المنتجات.
وبموجب النشرة الجديدة، ارتفع سعر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، فيما ارتفع سعر بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة، وبنزين أوكتان 90 من 147 إلى 185 ليرة.
وأثارت الزيادة غضبًا في مناطق عدة، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة، إذ ينعكس ارتفاع أسعار الوقود بصورة مباشرة على تكلفة النقل، كما يرفع كلفة إنتاج السلع والخدمات، بما يؤدي بدوره إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.
تبرير حكومي لرفع أسعار المحروقات
وفي مواجهة الانتقادات المتعلقة بارتفاع الأسعار، قال مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة السورية، عبد الحميد سلات، إن أسعار المحروقات ليست ثابتة، وإنما تخضع للمراجعة صعودًا وهبوطًا تبعًا لتغير التكاليف والظروف.
وأوضح سلات، في تصريحات لوكالة الأنباء السورية "سانا"، أن سوريا تعتمد اليوم بصورة كبيرة على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من المشتقات النفطية، الأمر الذي يجعل السوق المحلية متأثرة بالتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية.
وأضاف أن الاعتقاد بأن الإنتاج النفطي المحلي يكفي لتلبية احتياجات السوق السورية غير صحيح، موضحًا أن الإنتاج المحلي يبلغ نحو 100 ألف برميل يوميًا، مقابل حاجة تتراوح في المتوسط بين 300 و325 ألف برميل يوميًا.
وبحسب المسؤول السوري، فإن الإنتاج المحلي يغطي نحو ثلث احتياجات البلاد فقط، بينما يتعين تأمين الجزء الأكبر من الاحتياجات من خلال الاستيراد.
وأشار سلات إلى أن مصفاة حمص تعمل حاليًا بنحو 30 ألف برميل يوميًا، في حين دخلت مصفاة بانياس في عمرة فنية اضطرارية ومؤقتة، بعدما وصل وضعها الفني إلى مرحلة حرجة لم يعد معها استمرار التشغيل ممكنًا دون مخاطر حقيقية على المصفاة.
وأوضح أن إيقاف المصفاة وإجراء أعمال الصيانة كانا ضروريين لتجنب انهيار فني والتسبب في أضرار أكبر، لافتًا إلى أن سوريا كانت، حتى قبل دخول مصفاة بانياس في العمرة، تستورد جزءًا من النفط الخام المناسب للتكرير فيها، بالتوازي مع استيراد المشتقات النفطية الجاهزة.
اعتماد كبير على الاستيراد
وبحسب سلات، تستورد سوريا حاليًا نحو 74% من احتياجات السوق من المازوت، و81% من احتياجاتها من البنزين، ونحو 96% من الغاز المنزلي.
وتعكس هذه الأرقام حجم اعتماد السوق السورية على الأسواق الخارجية لتأمين الوقود، في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة العالمية ضغوطًا مرتبطة بأسعار المشتقات وقدرات التكرير والإمداد والنقل.
وقال المسؤول السوري إن الأزمة العالمية الحالية لا تتعلق بسعر خام برنت وحده، وإنما تشمل أيضًا نقص المشتقات النفطية الجاهزة والضغوط الكبيرة على طاقات التكرير والإمداد والنقل، وأوضح أن هذه العوامل أدت إلى ارتفاع أسعار بعض المنتجات المكررة بوتيرة أكبر من ارتفاع أسعار النفط الخام نفسه.
وأكد سلات أن سعر المشتقات النفطية في السوق السورية لا يُحدد بناءً على سعر خام برنت وحده، وإنما وفق التكلفة الكاملة لتأمين المنتج حتى وصوله إلى السوق المحلية.
وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة شراء المشتقات، مع بقاء أسعار بيعها محليًا بعيدة عن تكلفة تأمينها، يؤدي إلى تراكم الفجوة واستنزاف الأموال المخصصة لاستمرار عمليات التوريد.
وشدد على أن المسألة، وفق الوزارة، لا تتعلق بتحقيق أرباح من بيع المشتقات النفطية، وإنما بالحفاظ على القدرة على شراء هذه المشتقات وتأمينها وضمان استمرار توافرها في السوق السورية.
الوزارة تتحدث عن إمكانية خفض الأسعار
وأكد سلات أن الأسعار الجديدة لا تمثل مسارًا باتجاه واحد، وإنما تخضع للمراجعة وفق حركة الأسواق وتكاليف التوريد وتوافر المشتقات وبقية المتغيرات.
وأشار إلى أن أي تحسن في هذه العوامل، إلى جانب عودة قدرات التكرير وارتفاع الإنتاج المحلي، سينعكس على المعادلة التي تراجعها لجنة تحديد الأسعار.
وأضاف أن وزارة الطاقة تعمل بالتوازي على زيادة الإنتاج المحلي، وإعادة تأهيل الآبار والحقول، واستعادة قدرات التكرير، وإعادة مصفاة بانياس إلى العمل بعد استكمال أعمال الصيانة.
وأوضح أن هذه الإجراءات تستهدف تقليص الاعتماد على الاستيراد تدريجيًا، وتعزيز قدرة سوريا على تأمين احتياجاتها من المشتقات النفطية محليًا.
ضغوط معيشية متزايدة
وتأتي الزيادات الجديدة في أسعار الوقود في وقت يواجه فيه السكان في مناطق مختلفة من سوريا ضغوطًا اقتصادية متزايدة، إذ يرتبط سعر المحروقات بصورة مباشرة بتكلفة النقل، كما يدخل الوقود في عمليات الإنتاج والخدمات ونقل المواد الغذائية والسلع الأساسية.
وفي ظل ارتفاع تكاليف النقل، يطالب محتجون بإلغاء الزيادات في أسعار المحروقات، مؤكدين أن الارتفاع المفاجئ في أسعار البنزين والديزل يزيد الأعباء المعيشية على السكان.
وتخشى جهات حقوقية من أن يؤدي استمرار التوتر إلى مزيد من الاحتقان، خصوصًا في مناطق شمال شرقي سوريا التي تشهد، إلى جانب أزمة الأسعار، اضطرابات مرتبطة بقطاع النفط والمحروقات.
وأعرب المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مخاوفه من استخدام الرصاص الحي في التعامل مع الاحتجاجات، داعيًا إلى ضبط النفس وحماية المدنيين، والعمل على معالجة الأسباب الاقتصادية والمعيشية التي دفعت السكان إلى الخروج والتظاهر.



