في مرحلة دقيقة من عمر النظام العالمي تتسم بإعادة توزيع القوة، وتراجع اليقين بشأن شكل هذا النظام الذي ساد خلال العقود الماضية، تواجه العديد من الدول تحديًا يتجاوز مجرد تحديد مواقفها من القوى الكبرى ، يرتبط هذا التحدى بكيفية الحفاظ على استقلال القرار الوطني، وتوسيع هامش الحركة، وتعظيم المكاسب، من دون الانخراط في استقطابات دولية قد تفرض عليها التزامات تتجاوز مصالحها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية المصرية الناجحة منذ عام 2014 ، والمتمثل في تنويع الشراكات والعلاقات مع القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا.
فهذا التنويع لا يعكس، في جوهره، رغبة في الانتقال من محور إلى آخر، وإنما يعبر عن محاولة لبناء توازن استراتيجي يسمح لمصر بإدارة علاقاتها الدولية على أساس المصالح، وليس على أساس الاصطفاف.
اولا : التوازن ليس حيادًا بين القوى
من المهم أولًا ضبط مفهوم " التوازن الاستراتيجي" ، فالمقصود ليس أن تتخذ مصر الموقف نفسه من جميع القوى الكبرى، ولا أن تحافظ على مسافة متساوية بينها، فهذا أمر غير واقعي ولا يتفق مع طبيعة المصالح المختلفة التي تربط القاهرة بكل طرف ، فالتوازن يعني، بصورة أكثر دقة، تنويع مصادر العلاقات والشراكات بما يقلل الاعتماد المفرط على طرف واحد، ويمنح الدولة خيارات أوسع في إدارة مصالحها وأزماتها .
لذلك فإن وجود علاقات قوية مع واشنطن لا يتناقض من حيث المبدأ مع تطوير العلاقات مع كل من بكين وموسكو، ما دامت هذه العلاقات لا تتحول إلى التزامات متعارضة مع المصالح المصرية الأساسية.
وهذه نقطة أساسية في قراءة التحرك المصري؛ لأن العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين لم تعد بالضرورة قائمة على فكرة التحالفات المغلقة التي تضع الدول أمام خيار ثنائي: مع هذا الطرف أو ضده، بقدر ما اصبحت تتسم بالاعتماد المتبادل بين كافة الاطراف .
فقد أصبحت المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية أكثر تشابكًا، وأصبح من المعتاد أن تكون الدولة شريكًا لقوة كبرى في ملف، ومختلفة معها في ملف آخر.
ثانيا : موقع مصر و تعدد الشراكات :
بالنسبة إلى مصر، فإن تنويع العلاقات الخارجية لا يرتبط فقط بالتغيرات الدولية، وإنما تفرضه أيضًا جغرافية الدولة نفسها ،
فمصر تقع عند نقطة التقاء دوائر جيوسياسية واقتصادية متعددة: العالم العربي، والقارة الأفريقية، والبحر المتوسط، والبحر الأحمر، كما تمر عبر قناة السويس نسبة مهمة من حركة التجارة الدولية ، وإلى جانب موقعها الجغرافي، تمتلك مصر وزنًا سكانيًا وسياسيًا وعسكريًا يجعلها طرفًا مؤثرًا في عدد كبير من الملفات الإقليمية.
ومن ثم فإن حصر علاقاتها الاستراتيجية في اتجاه واحد لا يتناسب مع طبيعة موقعها ومصالحها ، فالدولة التي تقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية متعددة تحتاج، بحكم طبيعة موقعها، إلى " شبكة واسعة " من العلاقات تستطيع من خلالها حماية مصالحها وتعظيم قدرتها على المناورة.
ثالثا : الصين : شراكة اقتصادية تتجاوز الحسابات التقليدية
تقدم العلاقة المصرية الصينية نموذجًا واضحًا لهذه السياسة ،
فالتعاون بين القاهرة وبكين لم يعد مقتصرًا على العلاقات السياسية أو التجارية التقليدية، وإنما امتد إلى البنية الأساسية والطاقة والصناعة والنقل والاستثمار والتكنولوجيا ، كما اكتسبت الشراكة أهمية إضافية مع تنامي الدور الصيني في الاقتصاد العالمي، ومع سعي مصر إلى جذب الاستثمارات وتنمية المناطق الصناعية واللوجستية وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للتجارة.
والأهم أن التعاون مع الصين يمكن أن يوفر لمصر فرصًا في مجالات ترتبط مباشرة بأهداف التنمية، مثل التصنيع ونقل الخبرات والتكنولوجيا والبنية الأساسية، وهو ما يجعل العلاقة ذات طبيعة عملية تتجاوز مجرد حسابات النفوذ السياسي.
ومن الخطأ، تفسير الشراكة المصرية الصينية باعتبارها رسالة موجهة ضد الولايات المتحدة ، فالصين بالنسبة إلى مصر تمثل شريكًا اقتصاديًا واستثماريًا وتكنولوجيًا له مصالحه، كما أن مصر بالنسبة إلى الصين تمتلك موقعًا جغرافيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية.
رابعا : روسيا : نموذج مختلف للتعاون الاستراتيجي
أما العلاقة مع روسيا، فتقدم نموذجًا آخر للتوازن ،
فإلى جانب التراكم التاريخي والسياسي للعلاقات المصرية الروسية، شهد التعاون بين البلدين خلال السنوات الأخيرة توسعًا في عدد من المجالات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الطاقة ، ويأتي مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية في مقدمة هذه المشروعات، إلى جانب التعاون في التجارة والاستثمار والصناعة والسياحة والأمن الغذائي.
وتتميز مثل هذه المشروعات بأنها طويلة الأجل، وبالتالي فإنها تضيف إلى العلاقات السياسية " شبكة " من المصالح الاقتصادية والمؤسسية التي يمكن أن تمنح العلاقة قدرًا أكبر من الاستقرار والاستمرارية.
لكن تطوير العلاقة مع موسكو لا يعني أن مصر أصبحت بالضرورة جزءًا من الخيارات الجيوسياسية الروسية، كما أن التعاون في مجالات استراتيجية لا يعني تطابق مواقف البلدين في جميع القضايا. وهذا تحديدًا ما يجعل الحديث عن " الشراكة" أكثر دقة من الحديث عن " التحالف" في كثير من الحالات.
خامسا : مصر و الولايات المتحدة وتميز العلاقة :
يثور تساؤل مهم : " هل يؤدي انفتاح مصر على الصين وروسيا إلى خصم من رصيدها لدى الولايات المتحدة؟
الإجابة الأكثر انضباطًا هي: ليس بالضرورة، ولا توجد علاقة سببية تلقائية بين الأمرين .
فالعلاقات المصرية الأمريكية لها طبيعتها الخاصة، وتستند إلى عقود من التعاون والمصالح المتشابكة في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية. كما أن لمصر أهمية خاصة في الحسابات الأمريكية بحكم موقعها ودورها الإقليمي وقدرتها على التأثير في عدد من الملفات التي ترتبط مباشرة بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي المقابل، فإن مصر ليست مطالبة لكي تحافظ على علاقتها بواشنطن بأن تحد من علاقاتها مع بكين أو موسكو. فالعلاقة بين الدول لا تعمل بالضرورة بمنطق " المجموع الصفري" ؛ أي أن زيادة التعاون مع طرف لا تعني تلقائيًا انخفاض التعاون مع طرف آخر.
بل إن قدرًا من تنويع الشراكات يمكن أن يعزز الموقف التفاوضي للدولة، لأنه يمنحها بدائل أكثر ويقلل مخاطر الاعتماد المفرط على مصدر واحد في أي مجال من المجالات.
سادسا : بريكس : منصة للتنويع وليست إعلانًا عن اصطفاف جديد
يمكن وضع انضمام مصر إلى مجموعة بريكس في السياق نفسه ، فعضوية مصر في تجمع بريكس لا تعني خروجا من علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الولايات المتحدة وأوروبا، كما لا تعني تحولها إلى طرف في مواجهة الغرب ، فتجمع بريكس نفسه ليس تحالفًا عسكريًا، ولا يمثل كتلة متجانسة سياسيًا بالمعنى التقليدي، وإنما يمثل إطارًا تتفاعل داخله مجموعة من الاقتصادات والدول ذات المصالح المختلفة، وتسعى إلى زيادة التعاون الاقتصادي والمالي والسياسي بينها ،
ومن منظور المصالح المصرية، يوفر هذا الإطار فرصة لتوسيع دوائر التعاون الاقتصادي والمالي، والوصول إلى أسواق وشركاء جدد، والاستفادة من التحولات الجارية في بنية الاقتصاد العالمي.
وبالتالي فإن مشاركة مصر في بريكس يمكن فهمها باعتبارها جزءًا من سياسة تنويع الخيارات الدولية، وليس باعتبارها خطوة للانضمام إلى معسكر في مواجهة معسكر آخر.
سابعا : التوازن الحقيقي يبدأ من الداخل
إن نجاح سياسة " التوازن الاستراتيجي " لا يتوقف على عدد الشركاء الدوليين، وإنما على قدرة الدولة على تحويل تعدد العلاقات إلى قيمة مضافة حقيقية ، فإذا كانت الشراكات الجديدة لا تؤدي إلى زيادة الاستثمار والإنتاج والتجارة ونقل التكنولوجيا وتنويع مصادر الطاقة والغذاء، فإنها تظل في جزء منها إنجازًا دبلوماسيًا أكثر منها تحولًا استراتيجيًا.
ولهذا فإن المعيار الأهم لنجاح السياسة المصرية هو قدرتها على تحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية وتنموية مستدامة، وعلى ألا يصبح تنوع العلاقات هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لتعزيز القدرات الوطنية.
ثامنا : مصر بين مراكز القوة العالمية :
إن التحول من نظام دولي أحادي القطبية إلى نظام أكثر تعددًا لا يعني بالضرورة أن العالم أصبح أقل تنافسًا؛ ربما العكس هو الصحيح ، لكنه يفتح في الوقت نفسه مساحات أوسع أمام الدول التي تمتلك القدرة على إدارة علاقاتها بمرونة.
ومصر، بحكم موقعها وثقلها الإقليمي، لديها مقومات تجعلها قادرة على الاستفادة من هذا التحول، شريطة أن تظل سياستها الخارجية مرتبطة بأهداف واضحة في الاقتصاد والأمن والتنمية، لا بمجرد إثبات التقارب من هذه القوة أو تلك ،
ولهذا فإن التقارب مع الصين وروسيا لا ينبغي أن يُقاس بالسؤال عما إذا كان يرضي واشنطن أو يزعجها، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية: ماذا يضيف إلى القدرة المصرية على حماية مصالحها وتحقيق أهدافها؟
وبالمعيار نفسه، ينبغي تقييم العلاقات مع الولايات المتحدة: ليس فقط بحجم التعاون القائم، وإنما بما تحققه هذه العلاقة من مصالح لمصر وقدرة على التأثير والحركة.
وختاما ، لا تقاس قوة الدولة باختيارها قطبا أو قوة كبرى تدور في فلكها ، وإنما تقاس بقدرة الدولة على امتلاك شبكة من العلاقات والمصالح تعزز التقارب وتضمن استدامته وهذا هو المعنى الأكثر دقة للتوازن الاستراتيجي المصري: ليس تغييرًا لمعسكر، ولا توزيعًا للولاءات، وإنما توسيعا لمساحة الاختيار.