«رايح للسيدة».. جملةٌ مصرية قصيرة، لكنها تحمل في طيّاتها من المعاني ما تعجز عنه صفحاتٌ طوال؛ جملةٌ تسري في أزقة القاهرة دون حاجةٍ إلى تفصيل أو إيضاح، فالمصري حين يقول «السيدة» مجردةً، يعرف قلبه وجهته قبل أن تخطو قدماه. وليس الأمر جغرافيا مكان، ولا تعلقًا بحجارةٍ أو بناء، وإنما هو حكاية محبةٍ عميقة، سكنت وجدان المصريين، وامتدت جذورها في تربة الوفاء لآل بيت النبوة، حتى غدت السيدة زينب رضي الله عنها ـ حفيدة المصطفى ﷺ، وابنة علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما، وعقيلة بني هاشم ـ واحدةً من أعز الأسماء على قلب مصر.
ما دخل آل بيت النبي ﷺ أرضًا إلا تركوا فيها أثرًا من النور والمحبة، غير أن حكاية السيدة زينب مع مصر تبدو في وجدان أهلها حكايةً ذات مذاقٍ خاص؛ فما استقبلها المصريون في وجدانهم كضيفةٍ عابرة، وإنما استقبلوها استقبال من وجد في القادمة من بيت النبوة شيئًا من دفء الأهل، وأنزلوها منزلة «ست الدار» التي إذا ذُكر اسمها رقّ القلب، وإذا حضرت سيرتها حضرت معها معاني الرحمة والصبر والكرامة. والمصري بطبعه لا يقف طويلًا عند المبنى إذا رأى خلفه معنى؛ فهو لا يحب الاسم لمجرد الاسم، ولا النسب لمجرد النسب، وإنما يتعلّق بالروح التي يراها خلف السيرة، وبالمعنى الذي يتوارثه جيلٌ عن جيل.
ولهذا لم يكن تعلق المصريين بأم هاشم مجرد عاطفةٍ عابرة، بل كان صورةً شعبيةً لمحبة أهل بيت رسول الله ﷺ؛ محبةً ترى في السيدة زينب صورةً من صور البيت النبوي حين يتحول النسب الشريف إلى خلق، والعلم إلى حكمة، والمحنة إلى صبر، والقوة إلى ثبات، والوجع إلى رسالة. لقد عرف المصريون فيها المرأة التي لم تكسرها قسوة الأيام، ولم تطفئ المحن نورها، فبقيت سيرتها في الذاكرة مثالًا للمرأة التي تحمل في قلبها من الصبر ما تتسع به للمصيبة، ومن الرحمة ما يتسع به للناس.
ولعل لقب «أم هاشم» من أجمل ما التصق بسيرتها في الوجدان؛ فالألقاب عند أهل المحبة ليست ألفاظًا جامدة، وإنما مفاتيح لمعانٍ تسكن القلوب. و«أم هاشم» في الحس الشعبي ليست مجرد كنية، بل هي صورة «ستّ الدار»؛ صاحبة الباب الذي لا يُغلق في وجه ملهوف، والقلب الذي لا يضيق بمكسور، والرحمة التي يجد عندها العاجز معنى السند. وحين يقول المصري عن إنسان كريم: «ده بيجبر بخاطر الغلبان»، أو «ده قلبه على الناس» فإنه من حيث يشعر أو لا يشعر، يستحضر ذلك المعنى العميق الذي ارتبط في وجدانه بلقب «أم العواجز».
وهنا يلتقي الوجدان الشعبي بالذوق الصوفي؛ فالصوفي الحق لا يرى المحبة مجرد دمعةٍ على خد، ولا كلمةً على لسان، ولا ازدحامًا حول مقام، وإنما يرى المحبة عهدًا بين القلب والخُلق؛ فإن أحببتَ وليًّا من أولياء الله أو رجلًا من أهل بيت نبيه، فاسأل نفسك:
ماذا أخذتَ من أدبه؟ وماذا أورثتك سيرته؟ وأي أثر تركته محبته في سلوكك؟ فالمحبة عند أهل الذوق ليست دعوى تُقال، وإنما حالٌ إذا صدق في القلب ظهر أثره على الجوارح.
ومن هنا نفهم سر هذا التعلق المصري العميق بأهل البيت؛ إنه تعلقٌ يرى فيهم امتدادًا للمحبة النبوية، وتوقيرًا لمن أوصى رسول الله ﷺ بحفظ حقهم، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، وقال ﷺ: «أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهلِ بيتي». فالمحبة هنا ليست عبادةً لغير الله، ولا خروجًا بالتوقير عن حدّه، وإنما هي أدبٌ مع أهل بيت رسول الله، ومحبةٌ لمن اتصلوا به نسبًا وبيتًا وسيرةً.
.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نخرج بمحبة «أم هاشم» من حدود الذكرى إلى رحاب المعنى، ومن حنين القلب إلى عمل اليد، ومن زيارة المكان إلى زيارة الروح. فما قيمة أن يمر الإنسان من أمام مقام السيدة زينب ثم يخرج كما دخل؛ لا يرحم ضعيفًا، ولا يجبر خاطرًا، ولا يعفو عن مسيء، ولا يحمل همّ محروم؟ وما معنى أن نقول «يا سيدة» ثم لا يكون في بيوتنا شيء من الرحمة التي نحب أن نراها في سيرتها؟
الوفاء الحقيقي لأم هاشم أن تحمل شيئًا من أخلاقها إلى الناس؛ أن تكون للمنكسر جابرًا، وللمحتاج عونًا، وللحزين صدرًا رحبًا، وأن تعرف أن القوة ليست في قسوة القلب، وإنما في القدرة على الصبر دون أن تفقد رحمتك، وفي القدرة على الثبات دون أن تفقد إنسانيتك.
فالسيدة زينب رضي الله عنها ليست حكايةً انتهت عند زمنها، وإنما معنى يمكن أن يظل حيًا فينا؛ كلما رحمنا ضعيفًا، وكلما سترنا مكسورًا، وكلما صبرنا على بلاء، وكلما انتصرنا للحق دون ظلم، وكلما ازداد حبنا لله ورسوله ﷺ وأهل بيته دون أن يتطرق إلى قلوبنا شركٌ ولا غلو.
وهكذا تفهم مصر سر «السيدة»؛ فحين يقول المصري: «رايح للسيدة»، فربما لا يكون ذاهبًا إلى مكانٍ فحسب، وإنما ذاهبٌ بقلبه إلى معنى؛ إلى امرأةٍ من بيت النبوة، حملت من جلال النسب نورًا، ومن قسوة المحن صبرًا، ومن آلام الحياة رحمةً، حتى صارت سيرتها جزءًا من ذاكرة بلدٍ يعرف كيف يحب.
مصر لا تقول: هذه غريبةٌ جاءت إلينا؛ بل يقول وجدانها: دي من أهل بيت نبينا .. ودي ستّنا.. ودي أم هاشم.
.