عاجل

د. محمد عبد الرحيم البيومى يكتب: سفن العقول الحائرة: نحو إحياء فريضة التفكر الغائبة

الدكتور محمد عبد الرحيم البيومى يكتب: سفن العقول الحائرة.. نحو إحياء فريضة التفكر الغائبة

دكتور محمد عبد الرحيم
دكتور محمد عبد الرحيم البيومى

​يظن كثير من الناس في عصرنا الحاضر، بل وفي غمرة انشغالهم بتصاريف الحياة اليومية، أن فرائض الإسلام العظيم وأركانه الكبرى قد حصِرت جُملةً وتفصيلاً في تلك الشعائر التعبدية الظاهرة التي تؤدى بأركانها المادية من صلاة تقام، وصيام يرتجى، وزكاة تؤدى، وحج يرتاد، وغاب عن أذهان هؤلاء الغافلين، أو غيب تعمداً بفعل الجهل والتقصير، أنه ينبغي ويجب أن يقف وراء هذه الفرائض والشعائر الظاهرة فكر إسلامي مستقيم، وعقل راجح وعميق، يعمل باجتهاد متواصل على سبر أغوارها، واستنطاق أسرارها، وتدبر معانيها الدقيقة، وفي الحديث الشريف وأثره البليغ: (ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها). ومن أجل هذا الاعتبار العقدي السامي، كانت فريضة "التفكر" هي الفريضة الغائبة حقاً، والتي ذهل عن عظم أهميتها، وخطورة شأنها، وسمو غايتها، كثير من خلق الله وعباده، في الوقت الذي نجد فيه أن شريعة الإسلام الحنيف قد أمرت بها صراحة، وأن آيات القرآن الكريم الحكيم قد حثت عليها مراراً وتكراراً، بل وجعلتها مناط التكليف والتميز الإنساني بامتياز.

​وحين يتأمل المتأمل في ملكوت السماوات والأرض، فإنه ينظر بعيني رأسه أولاً، ثم يجيل فكره الرصين وبصيرته النافذة فيما يقف خلف ما يشاهد ويحس من أسرار إلهية ومعان غيبية وكونية عظيمة، ولعل هذا هو المقصد الأسمى والغاية الكبرى المستفادة من أمر الله بالضرب في الأرض والسعي الحي في مناكب الحياة، يقول سبحانه وتعالى في محكم التنزيل موضحاً هذه السنن الكونية والتاريخية: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) سورة فاطر، الآية 44. ويقول جل شأنه في موضع آخر مؤكداً هذا المعنى الرباني العظيم: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) سورة العنكبوت، الآيتان 19-20.

​ولعظم هذه الفريضة الجليلة وخطورة شأنها في بناء الوعي الإيماني الراسخ، جمع حجة الإسلام الإمام الغزالي ـ رحمه الله تعالى، كما ورد عنه في كتاب "إحياء علوم الدين" ـ تلامذته الأجلاء ومريديه الصادقين، فقال لهم موجهاً قلوبهم وعقولهم: «لقد كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار، والنظر والافتكار، ولا يخفى أن التفكر مفتاح الأنوار، ومبدأ الاستبصار، وهو شبكة العلوم، ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته، لكن جهلوا حقيقته ومصدره وثمرته». وفي هذا السياق المعرفي الرفيع، تضافرت وتكاملت أقوال سلف الأمة الأخيار وأعلامها الأبرار في بيان فضل التفكر العظيم، وتجلية معناه الحقيقي، وتحديد غايته المنشودة، فهذا الإمام الحسن البصري يقول بكلماته المضيئة الحكيمة: «تفكر ساعة خير من قيام ليلة». ويقول العارف بالله أبو سليمان الداراني ـ رضي الله عنه: «إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة».

​وهنا وفي سياق التأصيل المنهجي، ينبغي لنا أن نلحظ بوعي وإدراك عميقين أن هذه المنزلة الرفيعة والمكانة العالية للتفكر والتأمل في أقوال علماء الأمة وأساطين الفكر الإسلامي، لم تأتِ من فراغ، بل مصدرها الأساسي هو تأكيد الإسلام الحنيف المستمر على ممارسة هذه الفريضة الغائبة، وذمه الشديد لإهمالها والإعراض عنها. ومن أظهر ما ورد في فضلها والتأكيد المؤزر عليها ما رواه الإمام ابن حبان في صحيحه عن الصحابي الجليل عطاء قال: «دخلت أنا وعبيد بن عمير على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقال عبيد بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت عائشة رضي الله عنها وقالت: لقد قام رسول الله ليلة من الليالي، فقال: يا عائشة ذريني أتعبد لربي، قالت: قلت: يا رسول الله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال رضي الله عنه يؤذن للصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟! لقد أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، ثم تلا قول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) سورة آل عمران، الآيتان 190-191».

​وفي الوقت ذاته، وبصورة تعكس شدة العناية الإلهية بهذا العقل البشري، ذم الله سبحانه وتعالى كل من أهمل فريضة التفكر، وأعرض عنها حتى مرت عليه آيات الله الباهرات في الآفاق وفي الأنفس دون أن ينتفع بها، أو يأخذ منها العبرة والعظة الحقيقية، يقول سبحانه محذراً: (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) سورة يوسف، الآيتان 105-106. بل إن هذا الصنف الغافل من الناس قد اعتبره القرآن الكريم بحق في مصاف الأنعام والدواب، بل إنه أهبطه في مراتب الضلال ليكون في المرتبة أدنى منها وأضل سبيلاً، وما ذاك الصنيع المهين إلا لأنه رضي طوعاً واختياراً أن يتنازل عن جزئه الإنساني العظيم الذي يكون به التعقل والتفكر والتمييز، فشارك الدواب والأنعام حياتها البهيمية محاكيا إياها في عدم التعقل والتفكر والتأمل في مآلات الأمور، يقول سبحانه موبخاً: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) سورة الأعراف، الآية 179.

​ولعل من أجمل الملاحظات وأعمقها أن الإسلام عندما حدثنا ببيانه الحكيم عن فريضة التأمل والتفكر، لم يسق الحديث حول ذلك في صورة هلامية مرسلة أو فضفاضة بلا قيود، وإنما وضعها بدقة بالغة في ضوء عدد من الضوابط والأطر المنهجية المحكمة لكي تؤتي هذه الفريضة أكلها، وتنضج ثمارها اليانعة في واقع حياة الفرد والجماعة.

​أول هذه الضوابط المنهجية العظيمة: توجيه العقل البشري الحائر إلى التأمل والتفكر الصحيح المنتج، وتخليته التامة عن كل تفكر عقيّم لا يعود بالنفع على الإنسان، فنقرأ في ذلك التوجيه النبوي المعجزة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله). وعلة هذا النهج الحكيم وحكمته البالغة أن التفكر في خلق الله وآلائه ومخلوقاته يحقق رسالة الإنسان الكبرى في الكون والحياة، والتي عبر عنها الحق سبحانه وتعالى بقوله محققاً مراد الاستخلاف: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) سورة هود، الآية 61. أما التفكر في ذات الله العلية فضرب من العبث العقلي والمحال الفكري الذي يمارس فيه الإنسان حركة عقلية عقيمة حول ذات علية مقدسة تعلو فوق كل المدركات والأفهام البشرية المحدودة.

​وثاني هذه الضوابط المنهجية الراسخة: شمولية التفكر فيما يقع تحت دائرة وسع الإنسان وطاقته المعرفية، ليشمل الإنسان بتفكره وتأمله ذاته ونفسه أولاً، ثم يتعدى ذلك أفقياً وعمودياً إلى سائر الوجود والكون الفسيح من حوله، يقول سبحانه مبشراً ومؤكداً: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) سورة فصلت، الآية 53.

​وثالث هذه الضوابط المحكمة: أن الإسلام فيما يتعلق بمنهجية التفكر والتأمل فيه، لم يقف عند حدود الإطار النظري المجرد، بل تعدى ذلك ليصل بها وبجدارة إلى درجة الممارسات العملية الحية، ونلمح هذا المعنى بوضوح تام في قصة يوسف عليه السلام، التي ذاق فيها الإنسان على مر العصور روعة القصص الإلهي ومتعة الحديث الشريف، بيد أن النص القرآني الكريم تعدى كل ذلك الجمال السردي ليصل في النهاية الباهرة إلى روعة الفكر وجمال التأمل المقاصدي، فقال سبحانه فيما اختتم به سورة يوسف عليه السلام: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ) سورة يوسف، الآية 111.

​ورابع هذه الضوابط الحكيمة: مراعاة الزمان والمكان والبيئة الحاضنة عند ممارسة هذه الفريضة الإيمانية، فإن الأعرابي البسيط الذي اتخذ من البادية القاحلة مستقراً ومقاما، أتى إلى الوجود فأبصر فيه أرضاً قاحلة تقله، وسماء عريضة تظله، وإبلاً صبورة يمتطيها، وجبالاً شامخة تحيط به من كل جانب، ومن ثم عندما أمره القرآن الكريم بالتأمل والتفكر، راعى بدقة بالغة خصوصية الزمان والمكان والبيئة لديه، فقال سبحانه مخاطباً وعيه الفطري المباشر: (أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ) سورة الغاشية، الآيات 17-21. ومن ثم أتى التطبيق العملي لهذه الفريضة البليغة ناطقاً من واقع بيئته البسيطة وفي ظل هذه المظاهر الكونية الماثلة أمامه، فعندما سئل ذلك الأعرابي بفطرته السليمة: هل رأيت الرب الذي تعبده؟! أجاب بيقين إيماني مذهل ودون تردد: يا قوم ألا تنظرون إلى الأرض وما عليها، والسماء وما فيها، والرياح وحركاتها الدائبة، إن البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل كل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟! وبهذا يكتمل بناء الفكر الإنساني المسلم حين يستنطق آفاق الكون بمدد الإيمان الخالص والتدبر الواعي المستنير.

تم نسخ الرابط