تحت ستار المواجهة مع واشنطن.. إيران تصعد حملة الإعدامات والقمع الداخلي
بينما ينتظر مهتاب، وهو اسم مستعار لسجين سياسي إيراني، تنفيذ حكم الإعدام بحقه في أحد سجون إيران، يوجه نداء إلى العالم الخارجي بألا ينسى المحكوم عليهم بالإعدام وسط أجواء الحرب، محذرا من أن السلطات الإيرانية تستغل الصراع لتكثيف حملتها ضد المعارضين السياسيين.
وفي رسائل هُرّبت من داخل السجن ونشرتها صحيفة «الإندبندنت» حصريا، وصف مهتاب الظروف التي يقول إن السجناء السياسيين يعيشونها، متحدثا عن الضرب، وسوء الأوضاع المعيشية، ونقص الطعام، والحرارة الشديدة، إلى جانب غياب الرعاية الطبية اللازمة للمرضى.
وقال مهتاب إن عشرات الإيرانيين أُعدموا منذ انتفاضة يناير، بينما وُضع عشرات آخرون على قوائم انتظار تنفيذ أحكام الإعدام خلال الحرب المستمرة مع الولايات المتحدة، معتبرا أن طهران استغلت الصراع لتصعيد الضغط على المعارضين.

وناشد المجتمع الدولي قائلا: «لا يجوز لكم التزام الصمت إزاء هذا الكم الهائل من الإعدامات في إيران. كفّوا عن التعامل مع هذا النظام الفاشي. اكسروا صمتكم. ضاعفوا الضغط على هذا النظام إلى أقصى حد، وتضامنوا مع الشعب الإيراني».
وأُلقي القبض على مهتاب بسبب انتمائه إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة. وحُجبت هويات السجناء السياسيين والمعارضين الذين ساعدوا في تهريب الرسائل والمواد من داخل السجون، نظرا إلى المخاطر التي قد يتعرضون لها، والتي قد تصل، بحسب التقرير، إلى عقوبة الإعدام.
ظروف قاسية داخل السجن
ووصف مهتاب أوضاع السجن بأنها مروعة، مشيرا إلى تدني مستوى النظافة وانتشار مرض الجرب على نطاق واسع. وقال إنه لا يوجد فصل بين السجناء السياسيين وغيرهم من السجناء، معتبرا أن السلطات تستخدم هذا الوضع كوسيلة للضغط والتعذيب بحق المعارضين السياسيين.
وأضاف أن درجات الحرارة داخل السجن تتجاوز في كثير من الأحيان 40 درجة مئوية، فيما تخفض إدارة السجن أنظمة التبريد في الزنازين إلى أدنى مستوى، بما يجعلها، على حد وصفه، تدفع هواء شديد الحرارة إلى الداخل.
وقال إن اجتماع الحرارة المرتفعة مع بق الفراش والجرب يجعل النوم أو الراحة أمرا شبه مستحيل.
كما وصف ساحة السجن بأنها «غير صالحة للاستخدام عمليا» بسبب أشعة الشمس الحارقة وغياب الظل، مضيفا أن الطعام رديء الجودة ويقدم بكميات صغيرة إلى درجة تجعل السجناء يعانون الجوع بصورة مستمرة.
وأشار أيضا إلى عدم توفر العلاج الطبي للسجناء المرضى، متهما مسؤولي السجون بتزويد بعض السجناء بالمخدرات عبر ما وصفها بـ«الممرات الآمنة»، باعتبار ذلك مصدرا مربحا للدخل الشخصي.
وقال مهتاب إن السلطات الإيرانية «تريد تدميرنا، نحن السجناء السياسيين».

اعتقال بسبب معارضة الإعدامات
وأوضح مهتاب أنه اعتُقل بسبب معارضته لعمليات الإعدام في إيران ودعمه العلني لمريم رجوي، زعيمة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذي تعد منظمة مجاهدي خلق جزءا منه.
وتطرح رجوي خطة من 10 نقاط يقول مؤيدوها إنها تهدف إلى إقامة ديمقراطية تقدمية في إيران. وهي، إلى جانب عدد من المعارضين السياسيين الموجودين خارج البلاد، من بين الشخصيات التي تطرح أسماءها في سياق الحديث عن مستقبل إيران في حال انهيار النظام، ومن بينهم ولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي.
ولم تكشف «الإندبندنت» عن اسم السجن الذي يقبع فيه مهتاب، لكنها أشارت إلى أن ظروفا مماثلة يُعتقد أنها تسود في أجزاء أخرى من نظام السجون الإيراني.
أرقام متصاعدة للإعدامات
وتقول منظمة حقوق الإنسان الإيرانية «IHR» إن 537 عملية إعدام نُفذت في إيران منذ بداية العام الحالي، فيما بلغ إجمالي عدد عمليات الإعدام التي سجلتها المنظمة منذ عام 2010 نحو 10980 عملية.
وفي أوائل أغسطس، قال فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، إن السلطات الإيرانية أعدمت ما لا يقل عن 56 شخصا بتهم مرتبطة بالأمن القومي منذ مارس/آذار، بينهم 27 شخصا على صلة باحتجاجات يناير.
من جانبها، تقول منظمة مجاهدي خلق إنها سجلت ما لا يقل عن 40 عملية إعدام بحق معارضين سياسيين تتراوح أعمارهم بين 19 و70 عاما منذ مارس، بينما حُكم على ما لا يقل عن 100 شخص آخرين بالإعدام.
وفي الأسبوع الماضي، وُضع 11 شخصا آخرين على قائمة انتظار تنفيذ حكم الإعدام بسبب مشاركتهم في انتفاضة يناير/كانون الثاني، التي شهدت خروج عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع في احتجاجات واسعة ضد النظام.

وأعقبت الاحتجاجات حملة قمع واسعة، فيما تراوحت تقديرات عدد القتلى بين 6000 وأكثر من 30000 شخص.
تحذيرات من إعدامات «تعسفية»
وقالت بهار صبا، الباحثة الإيرانية البارزة في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، إن عمليات إعدام السجناء «غير قانونية وتعسفية»، معتبرة أنها نُفذت بعد إجراءات قالت إنها انتهكت بصورة صارخة الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
وأضافت أن المجتمع الدولي لا يمكنه الصمت أمام ما وصفته بالحملة المتصاعدة من عمليات الإعدام، والتي تأتي، بحسب قولها، في أعقاب عمليات قتل للمتظاهرين خلال احتجاجات يناير.
ودعت صبا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى إدانة ما وصفته بـ«الاعتداء المتواصل على الحق في الحياة» بأشد العبارات، واتخاذ إجراءات دبلوماسية منسقة للضغط على السلطات الإيرانية من أجل وقف جميع عمليات الإعدام فورا.
وتأتي هذه التطورات في ظل ترجيحات باستمرار الحرب التي يخوضها دونالد ترامب ضد إيران لفترة أطول، بعد تصعيد جديد يوم الأربعاء شهد أكبر ضربات متبادلة بين الجانبين منذ أسابيع. ويخشى المحكوم عليهم بالإعدام وعائلاتهم من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى تقريب موعد تنفيذ أحكامهم.
وكان الصراع الذي بدأ بهجوم أمريكي وإسرائيلي في 28 فبراير قد أسفر عن آلاف القتلى، غالبيتهم العظمى من الإيرانيين، وبينهم عدد كبير من المدنيين.
الحرب غطاء لمزيد من القمع
وقال مهتاب إن الحرب ساعدت السلطات الإيرانية على «تكثيف القمع والخنق في جميع أنحاء البلاد»، مضيفا أن الصراع أدى إلى زيادة الضغوط على السجناء داخل المعتقلات.
وأوضح أن أي شخص يحتج داخل السجن يُرسل إلى الحبس الانفرادي ويتعرض لأقسى العقوبات، بحسب روايته.
وفي المقابل، لم يُظهر ترامب أو القيادة الإيرانية مؤشرات واضحة على استعداد أي منهما لتقديم تنازلات كبيرة يمكن أن تمهد لإنهاء الحرب بصورة دائمة.
وخلال هذا الأسبوع، دعا ترامب مجددا الشعب الإيراني إلى الانتفاضة، في موقف يتعارض، بحسب التقرير، مع اعتقاد شائع بين بعض جماعات المقاومة بأن استمرار الحرب لا يؤدي إلا إلى تفاقم الصعوبات التي تواجهها.
وقال مصدر مقرب من أحد المعارضين الإيرانيين الستة الذين أُعدموا في أواخر مارس وأوائل أبريل، تحدث إلى «الإندبندنت» بشرط عدم الكشف عن هويته، إن الحرب أتاحت للنظام تنفيذ عمليات الإعدام من دون الخشية من عواقب كبيرة، لأن الاهتمام العام والدولي منصب على العمليات العسكرية.
وأضاف المصدر أن السلطات تستطيع، «تحت غطاء الحرب»، تنفيذ عمليات الإعدام بسهولة وبأقل قدر من العواقب، سواء على المستوى الدولي أو المحلي، معتبرا أن عمليات القتل تمنح النظام فرصة لإظهار أنه «لا يزال في السلطة ولا يزال يقتل الناس».
وفي رسالته الأخيرة، اختصر مهتاب موقفه من الحرب والواقع الذي يعيشه المحكوم عليهم بالإعدام في عبارة واحدة: «أتمنى لو لم تكن هناك حرب».



