عاجل

بطلان محاكمة ممرضة أمريكية متهمة بقتل أطفالها.. وترامب يعلق: مأساة مروعة

الممرضة السابقة ليندسي
الممرضة السابقة ليندسي كلانسي

أعلن قاض أمريكي، الجمعة، بطلان محاكمة الممرضة السابقة ليندسي كلانسي، المتهمة بقتل أطفالها الثلاثة الصغار، بعد فشل هيئة المحلفين في التوصل إلى حكم، في قضية أثارت اهتماما واسعا في الولايات المتحدة بسبب الجدل الذي دار حول حالتها النفسية وما إذا كانت مسؤولة جنائيا عن أفعالها وقت وقوع الجريمة.

وجاء القرار بعد محاكمة استمرت نحو ستة أسابيع، ونُقلت وقائعها عبر شاشات التلفزيون، قبل أن يصل المحلفون إلى طريق مسدود خلال مداولاتهم التي امتدت لأيام.

وكان دفاع كلانسي قد بنى قضيته على أنها كانت تعاني من ذهان شديد مرتبط بما بعد الولادة عندما قتلت أطفالها، وطالب بتبرئتها على أساس عدم مسؤوليتها الجنائية بسبب الجنون. 

وفي المقابل، قال الادعاء إنها، رغم معاناتها مشكلات نفسية، كانت تدرك أن قتل أطفالها أمر خاطئ، وخططت لما ستفعله ثم نفذته عمدا.

وأعلن القاضي وليام سوليفان بطلان المحاكمة بعدما تلقى خلال هذا الأسبوع عدة مذكرات من هيئة المحلفين أشارت إلى عدم قدرتها على التوصل إلى قرار موحد.

وفتح القرار الباب أمام احتمال إعادة محاكمة كلانسي، البالغة من العمر 36 عاما، إلا أن المدعي العام لمقاطعة بليموث، تيم كروز، قال إن مكتبه لم يتخذ بعد قرارا بشأن ما إذا كان سيسعى إلى إعادة محاكمتها.

وأبلغ القاضي سوليفان طرفي القضية بأنه يرغب في عقد محاكمة جديدة في وقت لاحق من الخريف، فيما لا تزال كلانسي محتجزة في مستشفى حكومي، ومن المقرر أن تمثل أمام المحكمة في جلسة متابعة في 29 سبتمبر.

تفاصيل الجريمة

لم يكن هناك خلاف بين طرفي القضية بشأن الواقعة الأساسية نفسها، إذ لم يجادل أحد في أن كلانسي خنقت أطفالها الثلاثة في يناير 2023 باستخدام أشرطة تمارين رياضية، داخل قبو منزل الأسرة في دوكسبري، وهي ضاحية تقع جنوب بوسطن.

وكان الأطفال هم كورا، البالغة من العمر 5 سنوات، ودوسون، البالغ 3 سنوات، وكالان، الذي كان يبلغ من العمر 8 أشهر.

وبعد قتل أطفالها، جرحت كلانسي نفسها بسكين وقفزت من نافذة في الطابق الثاني من المنزل في محاولة للانتحار، وأدى سقوطها إلى إصابتها بالشلل.

ومنذ بداية المحاكمة، لم يكن الخلاف منصبا على ما إذا كانت قد ارتكبت عمليات القتل، وإنما على حالتها العقلية ومدى مسؤوليتها الجنائية في اللحظة التي أقدمت فيها على قتل أطفالها.

دفاع يستند إلى الذهان

سعى محامي الدفاع، كيفن ريدينجتون، طوال المحاكمة إلى إقناع المحلفين بضرورة تبرئة موكلته لعدم مسؤوليتها الجنائية بسبب الجنون، وقال الدفاع إن كلانسي كانت أما محبة لأطفالها، وإنها كانت تمر بنوبة ذهان عندما أقدمت على قتلهم.

ويُقصد بالذهان حالة يفقد فيها الشخص القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي نتيجة انفصاله عن الواقع، وهي النقطة التي احتلت موقعا محوريا في المحاكمة، خصوصا مع شهادات تحدثت عن معاناة كلانسي النفسية في الفترة التي سبقت الجريمة.

وكانت كلانسي، وهي ممرضة سابقة في قسم الولادة بمستشفى ماساتشوستس، قد عانت مشكلات في صحتها النفسية خلال الأشهر التي أعقبت ولادة طفلها الثالث.

وأفاد أفراد من عائلتها، بينهم زوجها السابق باتريك كلانسي، بأنها سعت مرارا للحصول على علاج من مقدمي الرعاية الصحية، الذين وصفوا لها مجموعة كبيرة من الأدوية، كما قال الدفاع إن حالتها النفسية تدهورت بعد الولادة وإن ما حدث في المنزل كان نتيجة مباشرة لنوبة الذهان التي كانت تمر بها، وليس نتيجة قرار عقلاني ومسؤول لقتل أطفالها.

الادعاء: كانت تعرف ما تفعل

في المقابل، لم ينكر الادعاء أن كلانسي كانت تعاني مشكلات في الصحة النفسية، لكنه قال إن ذلك لا يعني أنها كانت تفتقر إلى المسؤولية الجنائية.

وقال ممثلو الادعاء إنها كانت قادرة على إدراك أن قتل أطفالها أمر خاطئ، وإنها اختارت رغم ذلك تنفيذ ما خططت له.

وقدم الادعاء شهادة من أخصائي نفسي فحص كلانسي وخلص إلى أنها خططت للانتحار، واختارت قتل أطفالها لأنها كانت مقتنعة بأنهم سيعانون من دونها.

وركز الادعاء كذلك على أدلة تتعلق بالساعات التي سبقت الجريمة، اعتبرها مؤشرا على وجود تخطيط مسبق.

ومن بين تلك الأدلة أن كلانسي أرسلت زوجها لإحضار طلب طعام والذهاب إلى صيدلية، بعدما حددت على هاتفها الوقت الذي سيستغرقه في العودة إلى المنزل.

ورأى الادعاء أن هذه التفاصيل تشير إلى أنها كانت تعرف المدة التي ستبقى خلالها بمفردها مع أطفالها، واستخدمت ذلك الوقت لتنفيذ ما كانت تنوي القيام به.

الزوج يروي اللحظات الأخيرة

كان باتريك كلانسي، زوج ليندسي السابق، من بين أبرز الشهود في القضية، وقدم أمام المحكمة رواية عن الأيام التي سبقت الجريمة واللحظات التي اكتشف فيها ما حدث.

وقال باتريك إن زوجته خرجت من مستشفى للأمراض النفسية قبل أسابيع قليلة من عمليات القتل، لكنه لم يلاحظ عليها في الأيام التالية أي مؤشرات على أنها تخطط لإيذاء نفسها أو أطفالها، وأضاف أنها بدت له "طبيعية" عندما غادر المنزل لإحضار العشاء.

وخلال وجوده في الصيدلية، تحدث معها لفترة وجيزة عبر الهاتف، قبل أن يعود إلى المنزل ويجدها ملقاة على الأرض في الفناء الخلفي.

وقال إنها كانت قد أصيبت بجروح في معصميها ورقبتها، وإنها أخبرته بأنها حاولت الانتحار، وعندما سألها عن مكان الأطفال، أخبرته بأنهم موجودون في القبو.

وتوجه باتريك إلى القبو، حيث وجد أطفاله الثلاثة، وكانت أشرطة التمارين الرياضية مربوطة حول أعناقهم.

حديث عن أصوات بعد الجريمة

وشهد عدد من الأشخاص، بينهم زوجها السابق، بأن كلانسي تحدثت لاحقا أثناء وجودها في المستشفى عن سماعها صوت رجل، وبحسب الشهادات التي قدمت أمام المحكمة، قالت كلانسي إن الصوت أخبرها بأنه إذا لم تتصرف، فإنها ستفقد فرصتها.

واستخدم الدفاع هذه الإفادات في إطار محاولته إثبات أنها كانت تعاني انفصالا عن الواقع وقت ارتكاب الجريمة، بينما سعى الادعاء إلى تقديم صورة مختلفة عن حالتها العقلية ومدى قدرتها على اتخاذ قرارات واعية.

خلاف داخل هيئة المحلفين

وفي اليوم السابع من مداولات هيئة المحلفين، الجمعة، طلب محامي الدفاع ريدينجتون من القاضي استبعاد أحد المحلفين، بعدما تلقى سوليفان مذكرة أرسلها رئيس هيئة المحلفين نيابة عن 11 محلفا.

وأفادت المذكرة بأن أحد أعضاء الهيئة أقر بوجود شك، لكنه رفض تطبيق هذا الشك على الحكم الذي يتعين على الهيئة إصداره.

وبموجب القواعد القانونية، لم يكن بإمكان هيئة المحلفين إدانة كلانسي بارتكاب جريمة قتل من الدرجة الأولى إلا إذا تمكن الادعاء من إثبات القضية بما لا يدع مجالا للشك المعقول.

واعتبر الدفاع أن موقف المحلف كان يمنع بقية أعضاء الهيئة من الوصول إلى حكم بالبراءة، لكن القاضي سوليفان رفض طلب ريدينجتون استبعاد المحلف.

ولم يتوقف الدفاع عند ذلك، إذ طلب من المحكمة العليا في ولاية ماساتشوستس إصدار أمر إلى سوليفان لإجراء تحقيق إضافي بشأن مدى قدرة المحلف الذي تمسك بموقفه على الالتزام بتعليمات القاضي واتباع القانون.

إلا أن المحكمة العليا في ماساتشوستس رفضت الطلب الطارئ، ما مهد الطريق أمام القاضي سوليفان لإعلان بطلان المحاكمة بعدما أصبح واضحا أن هيئة المحلفين غير قادرة على التوصل إلى حكم.

الدفاع يعتبر القرار انتصارا

وقال ريدينجتون للصحافيين خارج المحكمة إن الدفاع يعتبر إعلان بطلان المحاكمة انتصارا، وإن كلانسي ستكون مستعدة لخوض محاكمة جديدة إذا قرر الادعاء المضي قدما فيها.

وألقى المحامي باللوم في وصول المحلفين إلى طريق مسدود على عضو واحد في هيئة المحلفين.

وقال إن المحلفين الـ11 الآخرين حُرموا من إمكانية التوصل إلى حكم بالبراءة بسبب ذلك العضو، مضيفا أن "رجلًا واحدا"، أيا كانت أجندته، حرم بقية المحلفين من ذلك، و"سرق 7 أسابيع من حياة هؤلاء المحلفين الآخرين".

قضية أثارت جدلا أوسع

لم تتوقف أهمية المحاكمة عند حدود القضية نفسها، إذ أعادت إحياء نقاش مستمر في الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع الصحة النفسية للنساء بعد الولادة، وما إذا كان النظام الصحي والقانوني يتعامل بصورة كافية مع حالات الذهان الشديد بعد الولادة.

كما أعادت القضية إلى الواجهة سؤالا قانونيا وأخلاقيا أكثر تعقيدا يتعلق بكيفية التعامل مع الأمهات اللواتي يقتلن أطفالهن في ظروف ترتبط باضطرابات نفسية خطيرة، وما الحد الفاصل بين المرض العقلي والمسؤولية الجنائية.

وأثارت محاكمة كلانسي مقارنات بقضية أندريا ييتس، وهي امرأة من ولاية تكساس قتلت أطفالها الخمسة عام 2001 بإغراقهم في حوض للاستحمام.

وكانت محكمة استئناف قد ألغت حكم الإدانة الأول الصادر بحق ييتس، قبل أن تتم تبرئتها عام 2006 لعدم مسؤوليتها الجنائية بسبب الجنون.

وقال محامو ييتس آنذاك إنها كانت تعاني ذهانا شديدا بعد الولادة، في قضية أصبحت من أشهر القضايا الأمريكية التي ارتبطت باضطرابات الصحة النفسية بعد الولادة.

ترمب: "مأساة مروعة"

وفي مؤشر على حجم الاهتمام العام بالقضية، علق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عليها مساء الجمعة، خلال حديثه مع الصحافيين في المكتب البيضاوي، وقال ترامب إنه على علم بالقضية، مضيفا أنه يتوقع إجراء محاكمة أخرى.

ووصف ما حدث بأنه "مأساة مروعة"، وقال إن كلانسي فعلت "شيئا مروعا، مروعا"، مضيفا أن الأمر "لا يمكن أن يكون أسوأ من ذلك"، وتابع ترامب أن هناك "ثمنا سيتم دفعه"، في إشارة إلى احتمال استمرار الإجراءات القضائية ضدها.

ماذا ينتظر كلانسي؟

لا يعني إعلان بطلان المحاكمة إسقاط الاتهامات الموجهة إلى كلانسي أو تبرئتها من الجرائم، بل يترك الباب مفتوحا أمام الادعاء لإعادة محاكمتها.

وقال المدعي العام لمقاطعة بليموث، تيم كروز، إن مكتبه لم يقرر بعد ما إذا كان سيسعى إلى إعادة المحاكمة، في حين قال القاضي سوليفان إنه يرغب في أن تُعقد محاكمة جديدة في وقت لاحق من الخريف.

وفي حال إعادة محاكمتها وإدانتها بالقتل، تواجه كلانسي حكما بالسجن مدى الحياة، أما إذا خلصت هيئة المحلفين في محاكمة جديدة إلى أنها غير مسؤولة جنائيا بسبب الجنون، فسيتم إيداعها في مستشفى حكومي للأمراض النفسية لإخضاعها للتقييم، على أن يخضع احتجازها بعد ذلك لمراجعة دورية من المحكمة.

ولا تزال كلانسي محتجزة حاليا في مستشفى حكومي، ومن المقرر أن تعود إلى المحكمة في جلسة متابعة يوم 29 سبتمبر، بينما يبقى القرار بشأن إعادة المحاكمة معلقا على ما سيقرره الادعاء في المرحلة المقبلة.

تم نسخ الرابط