منع الاتصال مقابل الصمت.. كيف تحاصر إيران منتقديها عبر الهواتف؟
برزت ممارسة قطع شرائح الهاتف المحمول في إيران كإحدى الوسائل التي تستخدمها السلطات لمعاقبة المنتقدين والناشطين، في إجراء تتجاوز آثاره فقدان الاتصال، نظرًا لاعتماد العديد من الخدمات الأساسية في البلاد على رقم هاتف موثق.
وأصبح رقم الهاتف في إيران مرتبطًا بخدمات مصرفية وحكومية وتأمينية وقضائية، بالإضافة إلى بعض الخدمات التعليمية، إذ تعتمد هذه الجهات على إرسال رموز تحقق عبر الرسائل النصية لإتمام المعاملات.
وبالتالي، فإن إيقاف شريحة الهاتف قد يحرم صاحبها من الوصول إلى عدد كبير من الخدمات الأساسية، فضلًا عن التأثير في قدرته على التواصل مع المؤسسات والجهات الرسمية.
قطع الشرائح.. عقوبة بلا اتهام
وقالت الإيرانية دونيا راد إنها اكتشفت مؤخرًا عدم قدرتها على تجديد تأمين سيارتها، بعدما أصبح تسجيل العنوان عبر بوابة إسكان حكومية إجراءً إلزاميًا يتطلب رمز تحقق يرسل عبر رسالة نصية، وهو ما لم تتمكن من استلامه بسبب توقف شريحتها.

وكتبت راد على منصة «إكس» أن قطع شرائح الهاتف أصبح خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية أمرًا شائعًا، لدرجة أن الإيرانيين أصبحوا يتحدثون عنه كما يتحدثون عن الازدحام أو الطقس، معتبرة أنه يمثل عقوبة تصل قبل توجيه أي اتهامات قانونية.
كما قالت مهسا صفائي، وهي ميكانيكية سيارات تنشر محتوى عبر «إنستجرام»، إن شريحتها أوقفت قبل 3 سنوات، بعد ظهورها في مقاطع فيديو من دون غطاء للرأس وبأكمام قصيرة.
وأضافت في مقطع فيديو: «هل سألتم ما الخطأ الذي ارتكبته؟ ما فعلته هو أنني كسبت لقمة عيشي بصدق».
وتعرض أستاذ القانون الدستوري علي أكبر غورجي والصحفية سعيدة شفيعي أيضًا لقطع شرائح هاتفيهما دون تحذير، وقالا إنهما عندما حاولا رفع الإجراء، طلب منهما حذف منشورات تنتقد السلطات ونشر 20 منشورًا تدافع عن الجمهورية الإسلامية.
ممارسة تصاعدت بعد احتجاجات 2022
ووفقًا للتقرير، بدأت هذه الممارسة في الظهور عقب الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران عام 2022، والتي أطلقت حركة المرأة، الحياة، الحرية، قبل أن يتزايد استخدامها عقب الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل في يونيو 2025.
ويؤدي الاعتماد المتزايد على رقم الهاتف باعتباره وسيلة تعريف رقمية إلى مضاعفة آثار قطع الشريحة، إذ يستخدم الرقم في تلقي رموز التحقق اللازمة للوصول إلى العديد من الخدمات.
وقالت منظمة «فيلتر بان» الإيرانية للحقوق الرقمية إن قطع شرائح الاتصال يمثل أداة خارج الإطار القانوني تستهدف تحديد الأشخاص وتقييدهم وتعطيل قدرة الناشطين على التواصل مع بعضهم ومع المؤسسات ووسائل الإعلام، فضلًا عن حرمانهم من نظام الإخطارات الإلكترونية التابع للسلطة القضائية.

محاكمات دون إخطارات
وقالت المصورة الصحفية الإيرانية يالدا معيري إن قطع شريحتها تسبب في مشكلة قضائية أيضًا، موضحة أنها علمت مصادفة خلال زيارتها لمحكمة في قضية أخرى بوجود جلسة محاكمة محددة لها.
وأضافت أن المسؤولين حاولوا التواصل معها عبر الرقم نفسه الذي سبق أن تم قطعه، قبل أن يصدر حكم بحقها غيابيًا.
جدل حول الأساس القانوني
وتستند السلطات الإيرانية في بعض الحالات إلى المادة 247 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تمنح قاضي التحقيق صلاحية فرض إجراءات رقابية على المشتبه بهم، مثل حظر السفر أو القيادة.
لكن ناشطين ومحامين يشككون في إمكانية استخدام هذه المادة لتبرير قطع وصول الشخص إلى رقم هاتفه، وما يترتب على ذلك من حرمانه من خدمات أساسية، خاصة في الحالات التي يقول فيها المواطنون إنهم لم يتلقوا أي إخطار مسبق.
وقال المحامي الإيراني المقيم في هولندا حسين أحمد ينياز، لـ«راديو فردا» التابع لـ«راديو أوروبا الحرة»، إن القضاء الإيراني لا يملك أساسًا قانونيًا مشروعًا لهذه الممارسة، معتبرًا أنها تستخدم لتقييد الحريات بالمخالفة لمبادئ قانونية أساسية، من بينها ضرورة أن تكون العقوبات محددة بموجب القانون ومتوافقة مع الضمانات الدستورية.
ورأى ينياز أن هذه الإجراءات تحرم المتضررين من ضمانات المحاكمة العادلة، معتبرًا أن استخدامها بهذه الصورة يفرغ القواعد القانونية من مضمونها.



