عاجل

عاد ملف الانضباط في سوق التمويل غير المصرفي إلى صدارة المشهد من جديد، بعد الكشف عن واقعة تمويلات تعليمية بلغت قيمتها 319 مليون جنيه، وسُجلت بأسماء 619 ولي أمر دون علمهم. وأظن أن الفضل في إثارته للسيدة الفاضلة هبة كف الغزال على صفحتها. والغريب أن من حوالي 3 شهور فقط، حذر هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي علنًا من نفس المنطقة الخطرة ونال هجومًا عنيفًا.

الرجل لم يقل إن كل شركات التمويل الاستهلاكي سيئة، لكنه حذر من أن بعض مؤسسات التمويل غير المصرفي قد لا تطبق نفس صرامة التقييم الائتماني الموجودة في البنوك، وتحدث عن خطر ما يسمى regulatory arbitrage؛ أي أن جهتين تقدمان في النهاية ائتمانًا للناس لكن تعملان تحت درجات مختلفة من الرقابة والاشتراطات، وطالب برقابة استباقية قبل وقوع الأزمة، وليس بعد وقوعها.

والأهم أن الواقعة لم تأتِ من فراغ؛ فـتحذير عز العرب أعقبه تحرك داخل مجلس النواب، ونوقش الملف بالفعل داخل اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب بحضور إسلام عزام، الذي تحدث عن إجراءات أكثر صرامة تستهدف ضبط السوق. لذلك، تعيد واقعة الـ 319 مليون جنيه طرح سؤال لم يعد متعلقًا بالحاجة إلى الضبط، وإنما بما تم تنفيذه بالفعل من الإجراءات التي سبق الإعلان عنها.

ومن الواضح أن القضية تتجاوز كثيرًا واقعة المدرسة، وتمتد لتضرب كل نشاط القروض والتمويل الاستهلاكي الذي تمارسه شركات عديدة يبدو أنها لم تلتزم بمعايير الأمان والضمان والجدارة الائتمانية، وكانت تكتفي فقط بصورة بطاقة العميل دون أية شروط أو ضمانات، وهي ثغرة كبيرة وشرارة تضرب الاقتصاد.

خطورة الأمر وتداعياته السلبية تفسر اهتمام السيد الرئيس شخصيًا بهذه القضية الخطيرة ونشاط التمويل الاستهلاكي بأكمله. والتمويل غير المصرفي في حد ذاته ليس مشكلة؛ بالعكس، وجوده مهم جدًا لتوسيع الوصول للائتمان وتحريك الاقتصاد. المشكلة تبدأ عندما يتوسع الائتمان أسرع من الحوكمة والرقابة.

إذا كانت وسائل الدفع الإلكتروني ومعها بطاقات الائتمان قد صنعت وهم الثراء والوفرة لكثير من أصحاب الدخول المحدودة، وإذا كان السداد المؤجل دائمًا ما يتم تفضيله عن السداد النقدي العاجل لسبب اقتصادي وجيه مفاده أن للزمن قيمة time value of money وأن النقود تخسر قيمتها مع الوقت بفعل التضخم، فإن التوسع في نشاط التمويل الاستهلاكي، خاصة في دولة مثل مصر تعاني من انخفاض الإنتاجية وحفز النمو بالاستهلاك لا بالاستثمار والإنتاج، من شأنه أن يضاعف من أثر الضغوط التضخمية على المستوى العام للأسعار في بلدنا. ومن الضروري والمنطقي أن تقيد الدولة هذا النشاط خلال فترات الأزمات الاقتصادية، وفي مقدمتها أزمات التضخم التي ضربت معظم اقتصادات العالم.

ولمعرفة حجم الأزمة، فإن آخر إحصائية للتمويل الاستهلاكي خارج الممنوح من البنوك أول شهرين من 2026: منحت الشركات حوالي 19.3 مليار جنيه، بزيادة 61.7% سنويًا، لنحو 2.49 مليون عميل. أما أرصدة التمويل القائمة لدى شركات التمويل الاستهلاكي بلغت حوالي 91.7 مليار جنيه في نهاية أبريل 2026، مقابل 41.2 مليار جنيه في أبريل 2025؛ تقريبًا الضعف في سنة.

والتمويل الاستهلاكي من البنوك تعدى الـ 1.5 تريليون جنيه، أما متوسط سعر الفائدة الذي يدفع مقابل القرض مضافًا إليه المصاريف (المرتفعة جداً) يبلغ بين 30 و40% سنوياً، ومدة السداد بين 6 شهور وبحد أقصى 4 سنوات.

المهم في الموضوع أن زيادته بلغت نسبًا غير مسبوقة في قطاع التمويل، وهذا ترجمة حقيقية للوضع الاقتصادي. المعلن رسميًا أن نسبة التعثر بين 3 و4%؛ هذا الرقم مجردًا من إيضاحات له لا يمكن تقييمه. وهكذا فإن الوضع الاقتصادي الحالي بموضوعية غير مريح ومزعج وغامض جداً بحيث يستحيل معه وضع مقترحات تحسن بالتدريج حياة الشعب؛ لأن ما يدور هو حوار الطرشان.

شكراً للسيد الرئيس على تدخله السريع، ولكن كم كنت أتمنى أن تمارس المؤسسات المعنية كهيئة الرقابة المالية والأجهزة الأخرى المعنية دورها وواجبها قبل أن يتسع نطاق هذا النشاط بصورة تخالف قواعد القانون والعقل والمنطق.. في النهاية الأزمة الاقتصادية أكبر من هذه الأفكار الراهنة لأن تأثيرها محدود.. نحن نحتاج إلى خطة هيكلية للاقتصاد المصري؛ بمعنى استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تغيير بنية وهيكل الاقتصاد نفسه، وليس مجرد علاج أعراضه المؤقتة.. لأن الإصلاح المالي والنقدي بمثابة مسكن سريع لخفض التضخم أو سد عجز الموازنة فقط.

تم نسخ الرابط