من العزلة إلى الانفتاح.. ماذا يعني رفع سوريا من قائمة الإرهاب؟
رفعت الولايات المتحدة سوريا رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لتنهي دمشق جزءًا مهمًا من العزلة الأمريكية التي استمرت لعقود، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة سياسيًا واقتصاديًا، رغم استمرار عقوبات تستهدف أشخاصًا وكيانات محددة.
وفي 24 أغسطس الجاري، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، لتنهي بذلك القيود المرتبطة بهذا التصنيف، الذي فرض على دمشق منذ عام 1979.
ويأتي القرار بعد خطوة أمريكية سابقة، إذ ألغت واشنطن في 30 يونيو من العام الماضي برنامج العقوبات الشامل على سوريا، ودخل القرار حيز التنفيذ في الأول من يوليو، مع الإبقاء على عقوبات موجهة ضد أشخاص وكيانات تعتبرهم الولايات المتحدة مرتبطين بأنشطة مزعزعة للاستقرار.
ورحب الرئيس السوري أحمد الشرع بالقرار، معتبرًا أنه يمثل طي صفحة من الماضي الأليم، والانطلاق نحو التنمية والإعمار والبناء، كما وجه الشكر إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والدول التي دعمت سوريا.

ماذا يعني القرار سياسيًا؟
استندت الإدارة الأمريكية في قرارها إلى عدة اعتبارات، أبرزها تنفيذ تعهد سابق للرئيس دونالد ترامب بتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، إلى جانب واشنطن بإجراءات إيجابية اتخذتها الحكومة السورية والتزاماتها بالابتعاد عن الإرهاب الدولي.
كما أشارت الإدارة الأمريكية إلى انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش، باعتباره أحد المؤشرات على تغير توجهات دمشق.
ويرى محللون أن رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل خطوة مهمة نحو إعادة دمجها في النظام المالي والاقتصادي العالمي، وإنهاء جانب من عزلتها السياسية، وفتح المجال أمام علاقات أوسع مع الدول والمؤسسات الدولية.
دفعة للقطاع المصرفي
اقتصاديًا، يمكن للقرار أن يمهد الطريق أمام البنوك السورية لإعادة بناء علاقاتها تدريجيًا مع النظام المالي العالمي والبنوك المراسلة وشبكات المدفوعات الدولية.
وكان تصنيف سوريا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب قد جعل العديد من المؤسسات المالية الأجنبية تتجنب التعامل مع المصارف السورية، خشية التعرض للعقوبات الأمريكية.
ومن شأن تخفيف هذه القيود تسهيل عمليات التمويل التجاري والتحويلات المالية للسوريين في الخارج، الذين اعتمدوا لسنوات على قنوات غير رسمية أكثر تكلفة لإرسال الأموال إلى ذويهم داخل البلاد.
كما نشرت الولايات المتحدة تحديثًا مشتركًا بشأن تخفيف العقوبات وضوابط التصدير إلى سوريا، تضمن إجراءات مرتبطة بالأنشطة التجارية والتنمية الاقتصادية وتصدير بعض السلع والتكنولوجيا.

إزالة عوائق أمام الاستثمار
ومن أبرز الآثار المحتملة للقرار فتح المجال أمام مزيد من الاستثمارات الأجنبية في سوريا، بعدما كانت العقوبات الأمريكية تشكل مصدر قلق للشركات الدولية الراغبة في المشاركة بمشروعات إعادة الإعمار.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تعهد في وقت سابق بإزالة العقبات التي تعرقل إعادة بناء سوريا، مؤكدًا اهتمام شركات أمريكية بالاستثمار في البلاد.
ويرى محللون أن رفع التصنيف يقلل من المخاطر القانونية والسمعة المرتبطة بالاستثمار في سوريا، ويمنح الشركات الدولية مساحة أكبر للعمل في قطاعات مثل البنية التحتية والعقارات والاتصالات والطاقة.
وقال الباحث في معهد الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن، عمار جلو، في تصريحات سابقة، إن القرار يزيل أحد آخر العوائق الأمريكية أمام الاستثمارات الأجنبية في سوريا، بما فيها الاستثمارات الأمريكية، وقد يسهم في تعزيز علاقات دمشق مع القوى الإقليمية والدولية.
إنعاش التجارة والطاقة
ومن المتوقع أيضًا أن يساهم القرار في تسهيل استيراد المعدات وخطوط الإنتاج والآلات الزراعية والإمدادات الطبية، مع تقليل العقبات التنظيمية التي كانت تواجه الشركات السورية.
وقد يستفيد قطاع الطاقة بصورة خاصة، في ظل تضرره على مدى سنوات، إذ يمكن للشركات الأجنبية توفير قطع الغيار والخبرات الفنية والتكنولوجيا اللازمة لإعادة تأهيل منشآت النفط والغاز وإصلاح محطات الكهرباء، بما قد يساعد على زيادة الإنتاج وتحسين إمدادات الطاقة.
وكانت القيود الأمريكية السابقة قد فرضت صعوبات على استيراد بعض المعدات والتقنيات المتقدمة، خاصة السلع المصنفة باعتبارها ذات استخدام مزدوج يمكن استخدامها لأغراض مدنية أو عسكرية.
هل يفتح الباب أمام التمويل الدولي؟
يسمح رفع التصنيف لسوريا، من الناحية النظرية، بالتحرك بصورة أوسع نحو المؤسسات المالية الدولية، ومن بينها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لبحث فرص الحصول على تمويل لمشروعات التنمية وإعادة هيكلة الاقتصاد ودعم الإصلاحات المالية والنقدية.
لكن الاستفادة الفعلية من هذه الخطوة ستظل مرتبطة بالإصلاحات التي ستجريها الحكومة السورية وقدرتها على استعادة الثقة الدولية وتحسين بيئة الاستثمار.
هل انتهت العقوبات الأمريكية؟
لا يعني رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب انتهاء جميع العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.
ووفقًا لتحديثات وزارة الخزانة الأمريكية، لا تزال هناك عقوبات تستهدف أشخاصًا وكيانات محددة، من بينها الرئيس السوري السابق بشار الأسد ومقربون منه، ومنتهكو حقوق الإنسان، وشبكات مرتبطة بتجارة مخدر الكبتاغون، وجهات متهمة بزعزعة الاستقرار الإقليمي.

كما تستمر عقوبات تستهدف تنظيمات مرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة، إلى جانب إيران ووكلائها بموجب سلطات عقوبات أمريكية أخرى.
ماذا عن هيئة تحرير الشام؟
وتزامن القرار مع خطوة أخرى تتعلق بـ"هيئة تحرير الشام"، إذ أزالت الولايات المتحدة الهيئة من قائمة الأشخاص والكيانات المصنفين كـ"إرهابيين عالميين محددين بشكل خاص".
وكانت واشنطن قد ألغت في يوليو من العام الماضي تصنيف الهيئة باعتبارها “منظمة إرهابية أجنبية”، في إطار سلسلة من الإجراءات الأمريكية المرتبطة بتغير سياستها تجاه سوريا.



