من باب المندب إلى أسعار النفط.. كيف يؤمن «الفجيرة العلمين» احتياجات مصر؟ |خاص
أكد الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن مشروع «الفجيرة العلمين للنفط والغاز» يمثل استثمارًا مصريًا إماراتيًا يستهدف تحقيق عوائد اقتصادية لمصر، وليس مجرد دعم إماراتي للدولة المصرية، موضحًا أن المشروع يقوم على تبادل تجاري واستثماري في مجال النفط، مع ارتباطه بتأمين احتياجات السوق المحلية ومواجهة تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
وقال القليوبي في تصريحات خاصة لـ«نيوز رووم»، إن المشروع يستهدف تطوير واستغلال منطقة ميناء الحمراء البترولي القديم، الذي أنشأته مصر عام 1976 بإمكانات وخبرات مصرية، وكان الهدف الأساسي منه تجميع إنتاج البترول القادم من الصحراء الغربية ومنطقة الدلتا ووادي النيل، تمهيدًا لضخه في ناقلات قادرة على نقل الخام إلى الأسواق الأوروبية.

ميناء الحمراء.. من تجميع الخام إلى مركز للتخزين
وأوضح أستاذ هندسة البترول والطاقة أن طبيعة الدور الذي يستهدفه المشروع حاليًا تختلف عن الاستخدام التقليدي للميناء، إذ يركز بصورة أكبر على إنشاء وتوسيع منظومة تخزين النفط والمنتجات البترولية.
وأشار إلى أن مصر تمتلك نحو 8 موانئ بترولية على ساحل البحر المتوسط، ويعد ميناء الحمراء البترولي من أبرزها، لافتًا إلى أن قدراته التخزينية الحالية تبلغ نحو 2.8 مليون برميل.
وأضاف أن المستهدف رفع الطاقة التخزينية للميناء إلى نحو 5.8 مليون برميل خلال عام تقريبًا، على أن تصل القدرة التخزينية المستهدفة بحلول عام 2030 إلى نحو 20 مليون برميل، في إطار مشروع «الفجيرة العلمين».
خزانات للبنزين والسولار والمازوت ووقود الطائرات
وكشف القليوبي أن الجزء الجنوبي من الميناء سيشهد إنشاء خزانات مخصصة لتخزين السلع والمنتجات البترولية المختلفة، وعلى رأسها البنزين والسولار والمازوت، بالإضافة إلى وقود الطائرات.
وأوضح أن المشروع يستهدف تحقيق 3 أهداف رئيسية بالنسبة لمصر، يأتي في مقدمتها تنفيذ سياسة الدولة الخاصة بالتوسع في التخزين، بما يساعد على التحوط من تقلبات أسعار النفط العالمية.
وأضاف أن الهدف الثاني يتمثل في تأمين احتياجات السوق المحلية من المنتجات البترولية، خاصة في أوقات اضطراب سلاسل الإمداد، سواء نتيجة الأوضاع في منطقة باب المندب أو بسبب التحديات المرتبطة بوصول الإمدادات النفطية المستوردة من دول الخليج العربي.
أما الهدف الثالث، بحسب القليوبي، فيرتبط بحماية الاقتصاد المصري من تأثير الارتفاعات المفاجئة في أسعار النفط، من خلال الاعتماد على مخزونات استراتيجية يمكن استخدامها في فترات ارتفاع الأسعار أو اضطراب الأسواق.
نصف مليار دولار لعقود التحوط من ارتفاع أسعار النفط
وأشار أستاذ هندسة البترول والطاقة إلى أن مصر تتحمل تكلفة كبيرة للتحوط من ارتفاع أسعار النفط، موضحًا أن الدولة تدفع نحو نصف مليار دولار في عقود التحوط، وفقًا للموازنة العامة الحالية، لمواجهة ارتفاع سعر برميل النفط إلى ما يتجاوز 75 دولارًا.
وأوضح أن التوسع في إنشاء خزانات تخزين النفط والمنتجات البترولية يمكن أن يمثل بديلًا أكثر فاعلية في بعض الحالات لعقود التحوط، من خلال توفير كميات مخزنة يمكن استخدامها عند ارتفاع الأسعار أو حدوث أزمات في الإمدادات.
وقال القليوبي إن امتلاك مخزون كبير من المنتجات البترولية يمنح الدولة قدرة أكبر على التعامل مع التطورات المفاجئة في أسواق الطاقة، سواء كانت مرتبطة بارتفاع الأسعار أو بالاضطرابات العسكرية والجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
المخزون الاستراتيجي يدعم معامل التكرير المصرية
ولفت إلى أن أهمية المشروع لا تتوقف عند مواجهة ارتفاع الأسعار، وإنما تمتد إلى دعم منظومة التكرير المحلية، موضحًا أنه في حال حدوث نقص في الإنتاج أو اضطراب في الإمدادات، يمكن لمصر الاعتماد على الكميات المخزنة لتوفير احتياجات معامل التكرير المصرية.
وأكد أن وجود مخزون بترولي كبير يمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة احتياجاتها، ويقلل من تأثر السوق المحلية بالتغيرات المفاجئة في حركة الاستيراد أو اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
المشروع يعزز أمن الطاقة في ظل التوترات الإقليمية
وأشار القليوبي إلى أن التطورات الجيوسياسية في المنطقة تجعل التوسع في التخزين أحد العناصر المهمة لتعزيز أمن الطاقة، خاصة مع احتمالية تأثر طرق التجارة والنقل البحري بالأحداث الأمنية في مناطق استراتيجية مثل باب المندب.
وأوضح أن امتلاك قدرات تخزينية كبيرة يتيح لمصر التعامل بصورة أكثر مرونة مع أي اضطرابات قد تؤثر على وصول شحنات النفط والمنتجات البترولية، ويمنح الدولة وقتًا ومساحة أكبر للتحرك بدلًا من الاعتماد الكامل على الإمدادات الفورية.
وشدد على أن مشروع «الفجيرة العلمين» لا يستهدف فقط زيادة الطاقة التخزينية، وإنما يمثل جزءًا من توجه أوسع لتعزيز قدرة مصر على تأمين احتياجاتها من الطاقة، وتقليل تعرض الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط العالمية والاضطرابات التي قد تصيب سلاسل الإمداد.
وأكد أن الاستثمار في التخزين البترولي يمكن أن يحقق لمصر مكاسب اقتصادية واستراتيجية في الوقت نفسه، من خلال استغلال البنية التحتية الموجودة بالفعل، وزيادة القدرة على إدارة المخزون، وتأمين السوق المحلية، ودعم معامل التكرير خلال فترات الأزمات.