عاجل

"الحكمة والموعظة الحسنة".. الأوقاف تنشر بحثاً حول النهج النبوي في الدعوة

دكتور السيد عبد الباري
دكتور السيد عبد الباري

في إطار استعداداتها المكثفة للاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، نشرت وزارة الأوقاف المصرية بحثاً جديداً للدكتور السيد عبد الباري، رئيس القطاع الديني بالوزارة، بعنوان "الحكمة والموعظة الحسنة نهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة"، وذلك ضمن سلسلة إصداراتها العلمية والدعوية التي تهدف إلى استلهام السيرة النبوية وتجسيدها واقعاً عملياً في حياة المسلمين.

وأكد البحث أن استحضار السيرة النبوية ليس وقوفاً عند صفحات مضيئة من التاريخ، وإنما هو استمداد من معين النبوة لما يصلح به الإنسان وتستقيم به الحياة، مشيراً إلى أن في ذكرى مولد المصطفى -صلى الله عليه وسلم- تتجدد الدعوة إلى إحياء منهجه في الحكمة والموعظة الحسنة والرحمة والرفق، لتتحول محبته إلى عمل، والاقتداء به إلى خلق، واتباعه إلى أثر صالح في الناس.

المولد النبوي واستلهام النهج المحمدي

وأوضح البحث أن شهر ربيع الأنور يهل علينا بنفحاته المباركة ليحرك القلوب ويطرب الأرواح، حيث يتجدد الفرح بالمولد النبوي الشريف كإشراقة نور أزلية، تجعلنا نتأمل في أعماق الحقيقة المحمدية وسر ظهورها في الوجود. ولعل أعظم ما يتجلى في هذا المولد المبارك ويبرز جوهر الحقيقة المحمدية هو ذلك النهج القويم الذي أرساه الحق سبحانه لرسوله الكريم، وهو الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وأكد البحث أن الاحتفاء بالمولد المعظم هو استحضار حي لهذا النهج الكريم القويم، حيث قامت الدعوة المحمدية على أساس من اللين والرحمة والرفق، وجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لينقل البشرية من ظلمات القسوة والجهل إلى ضياء الوصل والمحبة عبر الحكمة البالغة والكلمة الطيبة التي تنفذ إلى بواطن النفوس، تجسيداً لقوله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِیلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ﴾ [النحل: 125].

الحكمة النبوية في مراعاة أحوال النفوس

واستعرض البحث مظاهر الحكمة النبوية التي تجلت في النهج الدعوي من خلال البصيرة النورانية التي راعت أحوال النفوس وتدرجت معها، واستخدمت الأسلوب المناسب لكل إنسان بعيداً عن الشدة أو العنف، مستشهداً بعدد من المواقف النبوية الخالدة:

موقف الأعرابي الذي بال في المسجد: حين بال أعرابي في ناحية المسجد، فقام الناس إليه ليزجروه وينهروه، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- تدخل بحكمة النبوة قائلاً لأصحابه: «دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»، ثم دنا منه بكل لطف وأوضح له أن المساجد لم تبن لهذا، وإنما بنيت لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن.

موقف معاوية بن الحكم السلمي: حين تكلم الصحابي معاوية بن الحكم السلمي في الصلاة جاهلاً بالحكم، فجعل الصحابة يضربون على أفخاذهم ليصمتوه، فلما انتهت الصلاة لم يجد من رسول الله تعنيفاً ولا زجراً؛ يقول معاوية: "فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني"، ولكنه قال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».

موقف طفيل بن عمرو الدوسي: حين جاء طفيل بن عمرو الدوسي يطلب الدعاء على قومه لبطء استجابتهم للدعوة، فرفع -صلى الله عليه وسلم- يديه داعياً بالحكمة والرحمة: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ»، فأتت قبيلة دوس برمتها مسلمة طائعة ببركة هذا الدعاء الرحيم.

موقف الأقرع بن حابس: حين قال الأقرع للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقبل الحسن بن علي: "إن لي عشرةً من الولد ما قبلت منهم أحداً"، فنظر إليه رسول الله بحكمة المعلم الرحيم وقال: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ»، ليرسخ في ذهنه ومجتمعه قيمة الحنان والعطف كضرورة إيمانية ودعوية.

الحكمة مع الأطفال والصغار

ولم تقتصر حكمة النبي في الدعوة على مراعاة أحوال الكبار، بل شملت الأطفال، ومن ذلك:

موقفه مع الطفل أبي عُمير: الذي مات عصفوره الصغير، فلم يترك النبي -صلى الله عليه وسلم- مواساته في حزنه رغم أعباء الرسالة، بل جالسه ومازحه تطييباً لخاطره قائلاً: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ».

موقفه مع عبد الله بن عباس: حين أعد للنبي -صلى الله عليه وسلم- وضوءه دون أن يطلب منه ذلك، فما كان من النبي إلا أن احتضنه ودعا له بحكمة المربي الشفوق: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ».

الموعظة الحسنة في مواقف النبي

وتناول البحث الموعظة الحسنة بتجلياتها الرائعة في السيرة النبوية، وعرّفها بأنها الكلمة اللطيفة والخطاب الحاني الذي يخرج من قلب مفعم بالرحمة، ليستقر في سويداء قلوب المدعوين، دون تقريع أو تجريح.

موقف الشاب المستأذن في الزنا: حين جاء شاب يستأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الزنا، فقام الحاضرون يزجرونه، لكن النبي قرّبه منه وقال بصوت حان: "أدنه"، فلما دنا خاطب قلبه وعقله بموعظة حسنة قائمة على ضرب الأمثال الفطرية المباشرة، قائلاً له: «أَتُحِبُهُ لِأُمِّكَ؟ لِأُخْتِكَ؟ لِعَمَّتِكَ؟»، والشاب يجيب: "لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك"، فيقول النبي: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ وَعَمَّاتِهِمْ»، ثم وضع يده الشريفة على صدره ودعا له بالطهر والمغفرة والسلامة، فقام الشاب وهو أسير تلك الموعظة النبوية الحانية.

موقف فتح مكة: حين ظن المشركون الذين آذوا رسول الله والمسلمين وأخرجوهم أن يوم الانتقام قد حان، وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- أمامهم وهو في قمة اقتداره، وسألهم بالموعظة والرحمة: «مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»، قالوا: "خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم"، فما كان منه إلا أن تجلى ببركة الحقيقة المحمدية قائلاً: «فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».

موقف الأعرابي الجاف: حين جذبه أعرابي من ردائه جذبة شديدة أثرت في صفحة عاتقه الشريف، قائلاً بجلافة وغلظة: "مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ"، فلم يغضب -صلى الله عليه وسلم- ولم يأمر بعقابه، بل التفت إليه ضاحكاً في وجهه، آمراً بعطائه.

أسلوب التوجيه غير المباشر: ومن أروع أساليب الموعظة الحسنة وتجنب التوجيهات المباشرة التي تكسر الهيبة وتفضح المستور، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يحرج المخطئ بتوجيه فردي مباشر، بل كان يصعد المنبر مخاطباً الجميع، ويقول بكامل اللطف والرفق: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا».

إحياء المدرسة المحمدية في واقعنا المعاصر

وخلص البحث إلى التأكيد على أن استلهام النهج النبوي القائم على الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة، يؤكد للجميع أن رسالة الإسلام ما انتشرت إلا بالمحبة والتآلف ومراعاة أبعاد النفس الإنسانية، والبعد عن القسوة والغلبة اللفظية، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أسس مدرسة إنسانية فريدة في الدعوة، أركانها الفهم العميق للطبيعة البشرية، والصبر على الهفوات والزلات، وتقديم الرحمة على العقوبة، والبشارة على التنفير، واليسر على العسر.

وشدد البحث على أنه في هذا العصر الذي برز فيه الجفاف الروحي في أساليب الخطاب والتوجيه، وتعاظمت فيه حدة الخلافات والمواجهات الفكرية، يغدو إحياء هذه المدرسة المحمدية، وتجسيد تلك المواقف النبوية، السبيل الوحيد لإصلاح القلوب، وجمع الشمل، وترميم الفجوات التي أحدثتها الغلظة في الخطاب، والجفوة في التوجيه، والشدة في التربية.

واختتم البحث بالتأكيد على أن الاحتفال الحقيقي بالمولد النبوي الشريف في شهر ربيع الأنور يكون بالتخلق بأخلاقه -صلى الله عليه وسلم-، والتأسي بنهجه الدعوي الرشيد؛ بإصلاح الباطن، وتغليب لغة البشارة واليسر، والنظر إلى الخلق بعين الرحمة والشفقة.

وأضاف أن استلهام سيرة صاحب الذكرى لا ينبغي أن يقف عند حد التغني بالماضي، أو التباهي بسيَر الأسلاف، بل يجب أن يتحول إلى واقع عملي معيش ومشاهد، كي تسطع على الوجود أنوار الحكمة، وتفيض على الخلق بركات الموعظة الحسنة، وتزهر في الحياة معاني الرحمة، وتثمر في النفوس صدق الاقتداء، وحسن الاتباع، وصلاح العمل.

ويأتي هذا البحث ضمن سلسلة الإصدارات العلمية والدعوية التي تطلقها وزارة الأوقاف بمناسبة شهر ربيع الأول، في إطار خطتها المتكاملة لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، والتي تشمل أيضاً قوافل دعوية، وموسوعة الأخلاق المحمدية، وبرنامج "اقرأ في السيرة النبوية"، ومسابقة "السراج المنير" بالتعاون مع إذاعة القرآن الكريم.

تم نسخ الرابط