أزمة السكر العالمية تلوح في الأفق..هل يحمي الإنتاج المحلي اسعار السوق المصرية؟
بينما تتراجع أسعار السكر في السوق المصرية لتقترب من مستوى 25 جنيها للكيلوجرام، بدأت أسواق السكر العالمية في إرسال إشارات مغايرة، مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات خلال الموسم المقبل، وسط توقعات بأن يتحول السوق العالمي من حالة الوفرة إلى العجز في موسم 2026/2027.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية ضغوطا على الإنتاج، بداية من تراجع إنتاج بنجر السكر في أوروبا، مرورا بمخاوف بشأن إنتاج الهند وتايلاند، وصولا إلى ارتفاع أسعار السكر عالميا خلال الفترة الأخيرة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى قدرة السوق المصرية على امتصاص أي موجة ارتفاع عالمية جديدة، وهل يوفر الإنتاج المحلي والمخزون الاستراتيجي حماية كافية للمستهلك؟
السوق العالمي تحت ضغط.. من وفرة المعروض إلى شبح العجز
شهد سوق السكر العالمي خلال الفترات الماضية ضغوطا مرتبطة بوفرة الإمدادات، وهو ما ساعد على تهدئة الأسعار العالمية وانعكس بدوره على تكلفة الاستيراد في السوق المصرية.
لكن المعادلة بدأت تتغير مع ظهور مؤشرات على تراجع الإنتاج في عدد من المناطق الرئيسية المنتجة للسكر.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن ميزان سوق السكر العالمي لموسم 2026/2027 قد يتحول إلى عجز بنحو 600 ألف طن، في ظل تراجع توقعات الإنتاج، وهو ما يمثل تحولا مهما مقارنة بالصورة السابقة للسوق التي كانت تميل إلى وجود فائض في المعروض.
ومع تقلص الفارق بين الإنتاج والاستهلاك، تصبح أي صدمة جديدة في إنتاج الدول الكبرى المنتجة للسكر قادرة على دفع الأسعار العالمية إلى الارتفاع، خاصة أن تجارة السكر العالمية تتركز في عدد محدود من الدول المصدرة الكبرى.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأغذية والزراعة «فاو» إلى أن سوق السكر العالمي يعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود من المنتجين والمصدرين، وعلى رأسهم البرازيل، إلى جانب الهند وتايلاند، ما يجعل أي اضطرابات في إنتاج هذه الدول مؤثرة على حركة الأسعار والإمدادات عالميا.
أوروبا تفقد جزءا من إنتاجها.. والطقس يضغط على البنجر
تأتي أوروبا في مقدمة المناطق التي تواجه ضغوطا على إنتاج السكر، خصوصا مع تعرض محصول بنجر السكر لظروف جوية صعبة.
وتشير التقديرات الواردة عن شركة «إس آند بي جلوبال إنرجي» إلى أن إنتاج السكر في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة قد يتراجع إلى نحو 15 مليون طن، وهو أدنى مستوى منذ موسم 2015، بعد أن أثرت موجات الحر على المحاصيل، بالتزامن مع تراجع المساحات المزروعة للعام الثاني على التوالي.
ويزيد انخفاض الإنتاج الأوروبي من الضغوط على المعروض العالمي، خصوصا أن بنجر السكر يمثل عنصرا أساسيا في إنتاج السكر داخل أوروبا.
ولا تتوقف المخاطر عند أوروبا، إذ يظل الطقس أحد أكبر العوامل التي قد تعيد تشكيل خريطة إنتاج السكر عالميا خلال الموسم المقبل، في ظل المخاوف المرتبطة بظاهرة «النينيو» وتأثيراتها المحتملة على عدد من مناطق الإنتاج الرئيسية.
الهند وتايلاند.. الخطر الأكبر على الإمدادات الآسيوية
وتبرز الهند وتايلاند ضمن الأسواق التي تترقبها تجارة السكر العالمية عن كثب، نظرا إلى ثقلهما في الإنتاج والتصدير.
وفي الهند، بدأت بالفعل تظهر مؤشرات على ضيق الإمدادات، إذ قفزت أسعار السكر المحلية بنحو 10% خلال شهر واحد إلى مستويات قياسية، وسط توقعات باستمرار ارتفاع الأسعار لعدة أشهر، مع انخفاض المخزونات قبل بداية الموسم الجديد إلى مستويات شديدة الانخفاض.
ويزيد ذلك من حساسية السوق العالمية تجاه أي تراجع إضافي في الإنتاج الهندي، خاصة أن الهند من أكبر منتجي السكر عالميا، كما أن صادراتها تؤثر بصورة مباشرة على حجم المعروض المتاح في الأسواق الدولية.
أما تايلاند، فتظل من أبرز الموردين العالميين، وأي انخفاض في إنتاج قصب السكر أو تراجع في معدلات استخلاص السكر يمكن أن يضيف مزيدا من الضغوط إلى السوق العالمية.
وتشير توقعات OECD-FAO إلى أن نمو إنتاج السكر في الهند وتايلاند خلال السنوات المقبلة سيعتمد بصورة كبيرة على رفع إنتاجية المحاصيل وتحسين الأصناف وممارسات الزراعة، ما يعكس أهمية الإنتاجية في الحفاظ على مستويات الإمداد.
ارتفاع الأسعار العالمية.. هل انتهى عصر السكر الرخيص؟
ومع تصاعد المخاوف بشأن الإنتاج، بدأت أسعار السكر العالمية في التحرك صعودا، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت في تسعير مخاطر نقص المعروض المحتملة.
وتشير بيانات السوق الأخيرة إلى ارتفاع عقود السكر الخام والأبيض مع تصاعد مخاوف الإنتاج العالمي، في وقت تتجه فيه توقعات بعض المؤسسات إلى تحول ميزان السوق لموسم 2026/2027 من فائض إلى عجز.
وهنا تكمن المفارقة بالنسبة للسوق المصرية: فالتراجع الحالي في الأسعار المحلية جاء في جانب منه نتيجة انخفاض الأسعار العالمية وزيادة المعروض، لكن استمرار انخفاض الأسعار العالمية لم يعد أمرا مضمونا إذا تحولت توقعات الإنتاج إلى واقع فعلي من نقص الإمدادات.
مصر تملك «صمام أمان».. هل يكفي الإنتاج المحلي؟
في المقابل، تدخل مصر هذه المرحلة وهي في وضع أفضل نسبيا مقارنة بالسنوات التي كانت تعتمد فيها بدرجة أكبر على استيراد السكر لتغطية احتياجات السوق.
وقال أحمد فندي، رئيس شعبة السكر باتحاد الصناعات، لنيوز رووم، إن مصر استفادت من انخفاض الأسعار العالمية في تعزيز المخزون الاستراتيجي، الذي ارتفع إلى مستويات تغطي احتياجات عام كامل، إلى جانب زيادة ضخ كميات من السكر في الأسواق بسعر 25 جنيها للكيلوجرام.
كما أشار إلى أن مصر اقتربت من تحقيق الاكتفاء الذاتي من السكر، وهو ما يمثل عامل حماية مهما في مواجهة أي اضطرابات محتملة في الأسواق الخارجية.
ولا يقتصر الأمر على المخزون، إذ تتجه مصر إلى زيادة إنتاج بنجر السكر، مدعومة بالتوسع في المساحات الزراعية، وتحسين أصناف البذور، وزيادة طاقات التصنيع.
وتتوقع OECD-FAO أن تسهم مصر بصورة متزايدة في إمدادات السكر الأفريقية، مع زيادة إنتاج بنجر السكر بنحو 4 ملايين طن مقارنة بفترة الأساس، بدعم من أسعار شراء مجزية للمزارعين، وتبني أصناف محسنة، وتوسيع قدرات معالجة البنجر.
هل يحمي الإنتاج المحلي المستهلك المصري؟
ورغم قوة هذه العوامل، فإن الاقتراب من الاكتفاء الذاتي لا يعني عزل السوق المصرية بالكامل عن تحركات الأسعار العالمية.
فارتفاع أسعار السكر عالميا يمكن أن يرفع تكلفة أي كميات مستوردة تحتاجها السوق، كما أن زيادة تكلفة مستلزمات الإنتاج وأسعار توريد البنجر تمثل ضغطا على المصانع المحلية، وهو ما قد يحد من قدرتها على مواصلة البيع عند مستويات منخفضة لفترات طويلة.
ومن ثم، فإن العامل الحاسم خلال الفترة المقبلة لن يكون سعر السكر العالمي وحده، وإنما قدرة مصر على تحقيق التوازن بين زيادة الإنتاج المحلي، والحفاظ على مخزون استراتيجي مرتفع، وضمان أسعار عادلة للمزارعين والمصانع، وفي الوقت نفسه حماية المستهلك من أي موجة ارتفاع جديدة.
وبينما يقترب السكر في السوق المصرية حاليا من 25 جنيها للكيلوجرام، تتحرك الأسواق العالمية في الاتجاه الآخر، ما يجعل الفترة المقبلة اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الإنتاج المحلي والمخزون الاستراتيجي على امتصاص الصدمات الخارجية، والحفاظ على استقرار السلعة قبل أن تتحول مخاوف العجز العالمي إلى موجة ارتفاعات جديدة.