خطة سرية عمرها قرن.. كيف خططت أمريكا لغزو كندا وحرب بريطانيا؟
أعد الجيش الأمريكي، خلال العقود الفاصلة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، خطة طوارئ سرية تحسبًا لاندلاع حرب مع الإمبراطورية البريطانية، بهدف منع القوات البريطانية من استخدام كندا قاعدة متقدمة لشن عمليات عسكرية ضد الولايات المتحدة.
وعرفت الخطة باسم «خطة الحرب الحمراء»، وكانت تستند إلى تصور استراتيجي يقضي بتنفيذ غزو سريع لكندا والسيطرة على مواقع حيوية فيها، قبل أن تتمكن بريطانيا من إرسال تعزيزات عسكرية كبيرة إلى القارة الأمريكية.
ورغم أن الخطة لم تدخل حيز التنفيذ مطلقًا، فإنها تكشف جانبًا من الحسابات العسكرية الأمريكية خلال فترة اتسمت بقدر كبير من عدم اليقين، حين لم تكن التحالفات الدولية قد استقرت بالشكل الذي عرفه العالم لاحقًا.

ما «خطة الحرب الحمراء»؟
كانت «خطة الحرب الحمراء» جزءًا من مجموعة خطط عسكرية أمريكية عرفت باسم «خطط الحرب بالألوان»، ووضعها الجيش الأمريكي خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، بحيث خصص لون لكل خصم محتمل.
فكان اللون البرتقالي يشير إلى اليابان، والأسود إلى ألمانيا، بينما خصص اللون الأحمر للإمبراطورية البريطانية.
ورغم العلاقات التاريخية الوثيقة بين واشنطن ولندن، فإن الجيش الأمريكي رأى ضرورة الاستعداد لجميع السيناريوهات المحتملة، بما في ذلك احتمال نشوب مواجهة عسكرية مع بريطانيا.
وتطورت “خطة الحرب الحمراء” بصورة أساسية خلال عشرينيات القرن الماضي، في وقت كانت فيه بريطانيا لا تزال تمتلك أقوى قوة بحرية في العالم، بينما لم تكن التحالفات التي ستشكل النظام الدولي لاحقًا قد تبلورت بعد.
ورغم تحسن العلاقات الأمريكية البريطانية بصورة كبيرة منذ حرب عام 1812، شهد البلدان منافسة متقطعة في أوائل القرن العشرين على صعيد القوة البحرية والتجارة العالمية والنفوذ في نصف الكرة الغربي.
ولم تكن واشنطن وحدها التي وضعت مثل هذه الخطط؛ إذ أعدت بريطانيا بدورها خططًا عسكرية تحسبًا لاحتمال نشوب حرب مع الولايات المتحدة، لكنها لم تنفذ أيضًا.

كيف كانت الخطة ستعمل؟
ارتكز التصور الأساسي للخطة الأمريكية على إسقاط كندا سريعًا، قبل وصول تعزيزات بريطانية كبيرة إلى أمريكا الشمالية.
وتضمنت الخطة شن هجوم على عدة جبهات، والسيطرة على خطوط السكك الحديدية الرئيسية، واحتلال المراكز الصناعية، والاستيلاء على موانئ على الساحل الأطلسي، بهدف حرمان بريطانيا من قاعدة يمكنها من خلالها تنظيم وإرسال قواتها إلى القارة.
وكانت الخطة تستفيد من حقيقة أن غالبية السكان الكنديين كانوا يعيشون بالقرب من الحدود الأمريكية، مما جعل عددًا من المدن الرئيسية أهدافًا محتملة للهجوم.
وشملت أبرز الأهداف هاليفاكس ومونتريال ومدينة كيبيك وتورنتو ووينيبيج وفانكوفر، وهي مراكز كانت تتمتع بأهمية استراتيجية وصناعية ولوجستية كبيرة.
ولم يكن الهدف الأمريكي، وفق التصور الأساسي للخطة، احتلال كندا بصورة دائمة، بقدر ما كان يتمثل في القضاء على أقرب قاعدة يمكن أن تستخدمها بريطانيا لشن عمليات عسكرية ضد الولايات المتحدة.
البحرية الملكية.. الخطر الأكبر
رغم التركيز على كندا، لم تكن القوات الكندية هي التهديد الأكبر الذي يشغل المخططين الأمريكيين، وإنما البحرية الملكية البريطانية.
فخلال عشرينيات القرن الماضي، كانت بريطانيا لا تزال تمتلك أكبر أسطول بحري في العالم، وعلى الرغم من اقتراب البحرية الأمريكية من حيث القوة، كانت واشنطن تواجه تحديًا جغرافيًا يتمثل في ضرورة حماية سواحلها على محيطين، في حين كان بإمكان بريطانيا تركيز جزء كبير من قوتها البحرية على مسرح عمليات واحد.
لذلك ركزت الاستراتيجية الأمريكية على حماية الساحل الشرقي، ومنع فرض حصار بحري، وتأمين خطوط التجارة والملاحة.
وكان المخططون الأمريكيون يدركون أن أي حرب واسعة مع بريطانيا لن تحسم بالعمليات البرية وحدها، وأن السيطرة على البحار ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد نتيجة الصراع.

هل كانت الخطة قابلة للنجاح؟
رغم أن الولايات المتحدة كانت تمتلك نظريًا القدرة على شن هجوم واسع على كندا، فإن استمرار الحرب والاحتلال كان سيواجه تحديات ضخمة.
من خصم محتمل إلى حليف وثيق
تكشف «خطة الحرب الحمراء» جانبًا مختلفًا تمامًا من تاريخ العلاقات الأمريكية البريطانية، قبل أن تتحول واشنطن ولندن إلى حليفين وثيقيْن خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها.
وتعكس الخطة كذلك طبيعة التفكير العسكري في فترة كان النظام الدولي فيها يفتقر إلى آليات أمن جماعي فعالة، مما دفع القوى الكبرى إلى إعداد سيناريوهات عسكرية حتى ضد دول لم تكن تتوقع بالضرورة خوض حرب معها.
وفي النهاية، لم تستخدم «خطة الحرب الحمراء» مطلقًا، لكنها بقيت وثيقة تاريخية لافتة تكشف كيف كانت المؤسسات العسكرية تستعد لأسوأ الاحتمالات في عالم لم تكن فيه التحالفات الدولية قد اتخذت شكلها المعروف اليوم.



