عاجل

يقول الحق سبحانه وتعالى:
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾
هذه الآية لا تتحدث عن انقطاع الصداقة، وإنما تتحدث عن حقيقة الصداقة.
فالخُلّة هي أعلى درجات المحبة؛ محبةٌ تتخلل القلب حتى لا تدع فيه موضعًا لغيرها. لكن الله يخبرنا أن هذه المحبة، مهما بلغت، ستذوب يوم القيامة إذا لم تكن قائمة على التقوى.

إن الدنيا دارُ مجاملة، أما الآخرة فدارُ مكاشفة.
هناك تسقط الأقنعة، وتظهر الحقائق، فأما أصدقاء السوء فيلتفت الصديق إلى صديقه، لا ليحتضنه، بل ليعاتبه: لماذا كنت سببًا في غفلتي؟ ولماذا زينت لي البعد عن الله؟ ولماذا ضحكنا معًا حين كان ينبغي أن نبكي من خشية الله؟
في الدنيا كانت القلوب تجتمع على هوى، أو مصلحة، أو شهوة، أو شهرة، أو منفعة، فلما زالت هذه الأسباب، انقلب الحب خصومة، وصارت المودة عداوة؛ لأن كل واحد يرى الآخر سببًا في خسارته الأبدية.

وأما المتقون، فإن محبتهم لم تكن لأنفسهم، بل لله. كانوا إذا اجتمعوا ذكّر بعضهم بعضًا بالله، وإذا رأوا زلةً ستروا ونصحوا، وإذا ضعف أحدهم حمله الآخر إلى باب ربه.
لذلك لا تنقطع مودتهم عند الموت، لأن الذي جمعهم لا يموت، وهو الله سبحانه.
ومن ألطف الإشارات في الآية أن الله لم يقل: إلا الصالحين، وإنما قال: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾؛ لأن التقوى هي التي تحفظ العلاقات من شوائب النفس، فلا يكون الحب أسير الهوى، بل عبدًا لله.

فاسأل نفسك دائمًا: هل هذا الصديق يقربني من الله، أم يجعلني أنساه؟ فالصديق الذي يزيدك من الله قربًا، ستزداد به قربًا يوم القيامة، أما الذي يقطعك عن الله، فسوف تتمنى يومًا لو أنك لم تعرفه.
إن أجمل العلاقات ليست التي تُنسيك هموم الدنيا، بل التي تُنسيك الدنيا نفسها، وتفتح لقلبك نافذةً على الله.

اللهم ارزقنا صحبةً تحيا بك، وتدل عليك، وتجتمع على محبتك، حتى نكون يوم القيامة من الذين لا تنقلب مودتهم عداوة، بل تزداد قربًا ونعيمًا في جوارك.

تم نسخ الرابط