عاجل

من بين المفاهيم السياسية الجديدة المتداوَلة فى الفكر السياسى حديثا، مصطلح «السوق السياسية»، ذلك المصطلح الذى استخدمه مثلا العالم البريطاني «أليكس دى وال»؛ للإشارة إلى واقع الممارسة السياسية فى منطقة القرن الإفريقى؛ حيث إن إدارة السياسة فى هذه المنطقة؛ تحتكم فى المَقام الأول إلى منطق اقتصادى قائم على مسألة «تسليع السياسة»، بحيث يتم تبادل الخدمات أو الولاءات السياسية أو التعاون أو العنف والحماية مقابل المعاملات المالية والشخصية. 

هكذا حاول «دى وال» أن يجادل فى كتابه الشهير، «السياسة الواقعية للقرن الإفريقى: المال والحرب وتجارة السلطة»؛ لفهم واقع هذه المنطقة الحيوية، القاطنة على ساحل البحر الأحمر وخليج عدن بتعقيداتها المُركبة، وصراع النفوذ الدولى القائم فيها، ولتفسير تحركات ومواقف الفاعلين السياسيين وأسباب الحرص على تواجُد قوَى دولية وإقليمية بصورة مختلفة فى هذه المنطقة، حتى ولو على حساب سيادة دول أخرى. 

والواقع؛ أننا إذا كنا نتحدث عن ممارسات تتعلق «بتسليع السياسة»؛ فإن المشهد فى منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقى، لا يمكن فهمه بعيدًا عن تأثير الجغرافيا بِعَدِّها الفاعل المؤثر أو الرقم الصعب فى معادلة حوكمة وإدارة هذه المنطقة أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا.. والمعنى هنا أن الثمَن الحقيقى فى هذه المنطقة للموقع الجغرافى، بحكم استراتيجيته وتأثيره الحيوى فى حركة التجارة الدولية، وكشريان رئيسى للربط بين ثلاث قارات (آسيا وإفريقيا وأوروبا)، وبالتالى لا يمكن استبعاد تأثير عناصر مثل الموانئ البحرية والمضائق والممرات الملاحية فى السوق السياسية لهذه المنطقة. 

من هذا المنطلق؛ نستطيع أن ننظر إلى أسباب حرص قوَى دولية كبرى للتواجد اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا فى هذه المنطقة، والتموضع فيها ليس حماية لمصالحها فقط؛ وإنما كنقطة ارتكاز مؤثرة فى مصالحها الإقليمية، أو محاولات دول «محور الشر»، كما أطلقنا من قبل، للتواجد على ساحل البحر الأحمر، حتى إن كان بطرق غير مشروعة وقانونية، كما تفعل إثيوبيا وإسرائيل. 

ربما كان هذا التأصيل ضروريًا لفهم ما حدث من تحركات مصرية على الأرض، تابعناها فى عدة مَشاهد جرت الأسبوع الماضى، بداية من الزيارة «الموقوتة» للرئيس عبدالفتاح السيسي لتنزانيا، واللقاءات الدبلوماسية التى شهدتها القاهرة مع مسئولين من الولايات المتحدة وإريتريا والصومال، وجميعها أحداث وفعاليات كانت «حوكمة البحر الأحمر» القضية الأساسية فيها، عبر حلول تعيد توظيف «عامل الجغرافيا» بمنطق اقتصادى قائم على الاستثمار الجماعى للموانئ والممرات البحرية، بما يحمى تخوم الأمن القومى المصرى، وأيضًا أمن وسيادة دول هذا الإقليم.. فهل سينجح هذا الرهان؟ 

والواقع؛ أنّ قيمة هذه التحركات ليست فقط فى رسائلها المعلنة؛ وإنما أيضًا فى توقيتها وأهدافها، ذلك أنها تزامنت مع عودة صريحة للتهديدات الأمنية فى منطقة مضيق «باب المندب»، جنوب البحر الأحمر، بعد إعلان جماعة «الحوثيين» اليمنية منع عبور سُفن سعودية، إلى جانب مخاوف من توظيف إيران روابطها الممتدة مع هذه الجماعة لاستخدام المنطقة كورقة ضغط جديدة فى مواجهتها العسكرية مع الولايات المتحدة على غرار مضيق «هرمز»، وهو تهديد يطرح تساؤلات أخرى حول سُبُل التعاطى المصرى معها حتى لا يتكرّر نزيف خسائر قناة السويس مرة أخرى كما حدث فى أزمة حرب غزة؟.

ممر القاهرة - دار السلام

إذا كانت تهديدات «الحوثيين» الجديدة فى باب المندب؛ تُنذر بعودة التوتر الأمنى فى جنوب البحر الأحمر، وبالتالى فرض قيود جديدة على حركة الملاحة الدولية فى البحر الأحمر؛ فالواقع أنها انعكاس لأحد مظاهر حالة الهشاشة الأمنية والسياسية بهذه المنطقة، والتى زادت معها وقائع القرصنة والعنف، وجعلت المنطقة مَوطنًا لصراع النفوذ وتنافس الإرادات بين أطراف دولية إقليمية. 

والإشكالية فى واقع الاضطراب فى منطقة القرن الإفريقى؛ أنه من الصعب التعاطى مع كل أزمة فى هذه المنطقة على حدة، ومن الصعب الحديث عن تفكيك صراعاتها منفردة، ذلك أن هناك تداخلاً بين جملة من الأزمات التى أضعفت كيانات دول هذه المنطقة ومؤسّساتها، بداية من الحروب والصراعات الداخلية، كما هو الحال فى الحرب السودانية، والصراعات الاثنية كما فى حالة إثيوبيا والصومال، أو الصراعات البينية كالتوتر القائم بين إثيوبيا وجيرانها (الصومال والسودان وإريتريا)، ويضاف إلى ذلك تنامى نفوذ وأدوار تنظيمات العنف المسلح مثل التنظيمات الإرهابية فى الصومال، وصولاً إلى ممارسات عدوانية لقوَى تبحث عن موطئ قدَم لها فى هذه المنطقة الاستراتيجية حتى ولو على حساب كيانات دولة كاملة!. كما تفعل إسرائيل وإثيوبيا «محور الشر» الإقليمى!.

وسط كل هذه التقاطعات؛ تتحرك القاهرة، وجزء من هذا التحرك ما جرى فى العاصمة التنزانية «دار السلام»، خلال زيارة الرئيس السيسي لها الأسبوع الماضى، ومحادثاته مع نظيرته التنزانية، سامية صلوحو حسن، ليس فقط لتعميق التعاون الثنائى وتحقيق نقلة فى العلاقات قائمة على المنفعة المتبادلة؛ ولكن من محاولة لاستثمار الزخم الذى تشهده العلاقات «المصرية- التنزانية»؛ لتكون نقطة ارتكاز فى مقاربة القاهرة القائمة على صياغة حلول جماعية تحفظ أمن الإقليم، عبر شراكات قائمة على حُسن «استثمار الجغرافيا» المشتركة للبلدين. 

والمعنى المقصود هنا؛ ما تحدّث عنه الرئيس السيسي، عن أهمية تعزيز التعاون بين البلدين فى مجالات النقل البحرى والموانئ والمناطق اللوجستية؛ حيث طرحت مصر مشروعًا محوريًا فى المنطقة، قائم على «تدخلها لتوسعة ميناء دار السلام البحرى، وتطويره»، إلى جانب العمل على مخطط أوسع للمَحاور اللوجستية الإقليمية؛ باستحداث خط ملاحى للربط البحرى بين ميناءى «سفاجا» و«دار السلام»، وإنشاء ممر متعدد الوسائط يربط بين القاهرة ودار السلام، بإقامة عدد من المشروعات التنموية المشتركة، وربطها بدول جوار تنزانيا. 

ونقطة التوقف هنا؛ ليست فقط فى مسألة تعزيز الشراكات الاقتصادية والتجارية بين مصر وتنزانيا؛ وإنما القضية أعمق من ذلك، فالقاهرة تتحدث عن مشروع تعيد فيه توظيف الجغرافيا الإقليمية بالبحر الأحمر، وتراهن فيه على الربط بين الموانئ البحرية على الساحل الغربى للبحر الأحمر، بتحالف بحرى إقليمى، يربط بين الموانئ المصرية شمالاً (مثل سفاجا والعين السخنة)، مرورًا بموانئ إريتريا وجيبوتى والصومال، وصولاً إلى دار السلام، كنقطة ارتكاز فى شرق ووسط إفريقيا. 

والسؤال هنا؛ هل هذا المشروع سيصطدم بصراع النفوذ الدولى القائم بالقرن الإفريقى والذى من بين مظاهره السيطرة على موانئ دول تلك المنطقة؟

ترتيبات جماعية بالقاهرة

نقطة التوقف الثانية؛ تتعلق بآليات التعاطى المصرى لتفكيك الصراعات المعقدة فى القرن الإفريقى والتدخلات الدولية فيها، وصراع المصالح القائم بها، وهنا تأتى المقاربة المصرية القائمة على ضرورة تعزيز الأمن الجماعى للمنطقة، عبر تحالفات سياسية واقتصادية وأمنية، تجمع دول هذه المنطقة، والفاعلين فيها، وتتبنى مبدأ أساسيًا فى هذا الصدد، قائمًا على ضرورة حصر تأمين وحوكمة المجرى الملاحى للبحر الأحمر، على الدول المشاطئة له، بمعنى «عدم السماح لأى طرف دولى أو إقليمى للتواجد على ساحل البحر الأحمر». 
من هذا المنطلق؛ نستطيع أن نتوقف أمام ما جرى الأسبوع الماضى من اجتماعات ثنائية وجماعية، لوزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطى، ونظيره الإريترى عثمان صالح، والصومالى عبدالسلام عبدى على، إلى جانب مسعد بولس كبير مستشارى الرئيس الأمريكى للشئون العربية والإفريقية، وهى لقاءات تناولت بشكل أساسى سُبُل التعاون المشترك فى صون أمن واستقرار منطقة القرن الإفريقى والبحر الأحمر. 

وواقع الأمر؛ لا يمكن فصل الترتيبات التى شهدتها اجتماعات القاهرة الدبلوماسية، عن الزيارة الرئاسية لدار السلام، ذلك أن هذه اللقاءات، تناولت بشكل أساسى، سُبُل تفعيل الاتفاقيات المشتركة؛ خصوصًا فى مجال النقل البحرى وربط الموانئ، فالفلسفة هنا؛ قائمة على إقامة ممر بحرى يجمع دول الساحل الغربى للبحر الأحمر، وربط الموانئ البحرية لها، فى توظيف عملى للجغرافيا الإقليمية بمنطق اقتصادى يحقق أهدافًا سياسية، أهمها قَطع الطريق أمام أى محاولات من أطراف غير مشاطئة للبحر الأحمر؛ للتواجد أو فرض ترتيبات أو أدوار أمنية فى هذه المنطقة. 

ومن المهم الإشارة هنا؛ أن هذا المسار، تتكامل فيه جهود عديدة جرت خلال الفترة الأخيرة، من بينها مثلاً إقرار الحكومة الصومالية فى شهر يوليو الحالى، لمذكرة التفاهم الموقّعة مع مصر؛ للتعاون فى مجالىّ النقل البحرى والموانئ، إضافة إلى توقيع مصر وإريتريا فى مايو الماضى اتفاقية تعاون استراتيجى فى مجال النقل البحرى؛ لإنشاء خَط ملاحى بحرى يربط بين موانئ البلدين. 

والمعنى هنا؛ أنّ الرهان القائم على استثمار الربط بين الموانئ البحرية للدول المطلة على البحر الأحمر؛ تتكامل فيه جهود القاهرة على الصعيد الثنائى مع دول هذه المنطقة، مع المبادرات الإقليمية الأخرى، ومن بينها المبادرة التى طرحتها القاهرة العام الماضى؛ لتعزيز التعاون والتكامل بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وهى مبادرة «السويس والبحر الأحمر»، للتنمية الاقتصادية والبحرية، كخريطة طريق للتنمية المستدامة فى المنطقة، كما أنها تتكامل مع محاولات تفعيل مجلس «الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر وخليج عدن»، الذى جرى تشكيله بمبادرة سعودية عام 2020؛ ليجمع الدول المطلة على الساحلى الغربى والشرقى للبحر الأحمر، فى منظومة أمنية واحدة، وهو خيار لا يحتمل التأجيل أو المماطلة فى ظل التهديدات القائمة بالمنطقة.

الرهان السياسى على الموانئ والممرات البحرية

نقطة التوقف الأخرى؛ تتعلق بالتوظيف السياسى للموانئ التجارية بالمنطقة فى الصراع الإقليمى، فالواقع أن التأثير الكبير لمنطقة القرن الإفريقى فى حركة التجارة الدولية؛ جعلتها نقطة الجذب الأولى لقوَى دولية وإقليمية، ما جعل الموانئ البحرية تؤدى أدوارًا تتجاوز وظيفتها التقليدية كمرافئ تجارية ومنشآت لوجستية؛ لتشكل عنصرًا رئيسيًا فى منظومة الأمن والسياسة والاقتصاد بالمنطقة. 

وهنا؛ نجد أن من مظاهر التوظيف، التنافس الدولى للسيطرة على هذه الموانئ، من منطلق أن الممر الملاحى للبحر الأحمر، يُعَد مَعبرًا رئيسيًا لنقل النفط من دول الخليج للأسواق العالمية، والشاهد على ذلك أن 12 % من حركة تجارة العالم تمر عبر البحر الأحمر سنويًا، وبواقع 30 بالمائة من حركة حاويات الشحن العالمية، وبقيمة تتجاوز (تريليون دولار)، إلى جانب، ما بين 7 إلى 10 بالمائة من إمدادات النفط العالمية، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) يناير 2024.  

وبالتالى؛ نجد أن هناك تنافسًا حاضرًا منذ سنوات على موانئ المنطقة، بين دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين؛ حيث تركز واشنطن على تحقيق أهداف أمنية واستراتيجية، عبر مجموعة من «التحالفات البحرية الأمنية». 

فيما تستهدف الصين توسيع استثماراتها فى الموانئ البحرية، فى إطار مبادرتها (الحزام والطريق)؛ حيث تستحوذ على إدارة وتشغيل ميناء جيبوتى» (معروف محليًا بميناء دوراليه)، وهو أحد موانئ التصدير الرئيسة فى شرق إفريقيا، كما افتتحت فى 2018 منطقة تجارة حرة بجيبوتى (تُقدَّر مساحته بنحو 48 كيلومترًا مربعًا)، وتأتى أدوار قوَى إقليمية اخرى مثل تركيا التى تسيطر على ميناء مقديشو فى الصومال، وفقًا لاتفاقية مارس 2023، إلى جانب استثمارات عربية وخليجية وآسيوية أيضًا من دول مثل الهند. 

ومن مظاهر التوظيف السياسي للممر البحرى، ما تقوم به جماعة الحوثيين اليمنية، من تهديد لحركة السفن المارة، كما حدث فى حرب غزة، والذى أدى إلى خسائر كبيرة لقناة السويس المصرية وصلت إلى 10 مليارات دولار، وصولاً للوضع الحالى، على خلفية تطورات الحرب الإيرانية. والواقع أن استمرار هذه التهديدات أو الاضطرابات دون معالجة؛ يعنى أننا أمام فصل جديد من الصراع الإقليمى فى ساحة جديدة وهى ساحة باب المندب وجنوب البحر الأحمر، وهذا ينذر بالسيناريوهات التالية: 

1- جلب قوَى دولية فى الإقليم: تدفع الأهمية الاستراتيجية لمنطقة باب المندب، وتهديداتها الأمنية وانعكاساتها على حركة التجارة الدولية والاقتصاد العالمى، قوَى دولية وإقليمية؛ للبحث عن موطئ قدَم لها بالمنطقة؛ حماية لمصالحها بالمنطقة، فى صورة تحالفات أمنية غربية مثل تحالف «حارس الازدهار» الذى دشنته واشنطن وقت حرب غزة، إضافة لمساعى دولة أخرى مثل روسيا للحصول على قاعدة عسكرية على ساحل البحر الأحمر. 

2- تراجُع حركة التجارة الدولية؛ حيث ستؤثر الاضطرابات على حركة التجارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس، بالبحث عن طرُق بديلة مثل طريق رأس الرجاء الصالح، وبما يعنى استمرار خسائر قناة السويس. 

3- تزايُد التداعيات الاقتصادية؛ حيث ستؤثر اضطرابات الملاحة على سلاسل إمداد الطاقة وبالتالى ارتفاع جديد فى أسعار الطاقة، مع تأثر إمدادات التوريد العالمية، والتى قد ينتج عنها موجَة تضخم عالمية، إلى جانب تراجُع الاستثمارات فى المنطقة. 
والأهم فى هذه المخاطر؛ أنّ حيوية استقرار منطقة البحر الأحمر وباب المندب بالنسبة لمصر؛ لا تنطلق فقط من أمان الملاحة البحرية لقناة السويس؛ وإنما لارتباطها بمخطط تنموى شامل تعمل عليه الدولة المصرية السنوات الأخيرة؛ حيث أنفقت مصر كثيرًا من الاستثمارات لتطوير موانئ البحر الأحمر، وتعزيز تنافسية قناة السويس، وجميع المشروعات التى تم تنفيذها مرتبطة بشكل كبير بحركة الملاحة فى البحر الأحمر، وأى تأثير عليها؛ سيضعف عوائد هذه الاستثمارات، كما أن مساعى قوَى بالمنطقة لإقامة ممرات بديلة مثل الممر الاقتصادى «الهند-حيفا»؛ لا تنطلق أهميتها إلا عند غلق قناة السويس أو تأثر حركة الملاحة بها، وكأن هذا هو الهدف من إشعال الوضع فى منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقى.

تم نسخ الرابط