في مرآة الأزل، حيث يتشابك الزمن الممتد بالروح الإنسانية الحائرة، يبدو الوجود في حقيقته الفلسفية أبعد بكثير من أن يكون مجرد امتداد ميكانيكي بليد في المكان، أو ركاماً من دقائق وثوانٍ تتناثر في فضاء العدم. إن الكيان البشري، في أصفى تجلياته، هو حركة استشرافية دؤوب نحو غدٍ مأمول، ونبضة تتسامى فوق لوثة الطين لتغزل من خيوط الرجاء نسيجاً لعمارة الأرض وتزكية النفس. إنها صيرورة تتدفق في عروق الزمن، محوّلةً "المنفعة المأمولة" إلى أصلٍ اعتباري ناضر، هو بمثابة "الرأسمال الوجودي اللامادي" للإنسان؛ ثروة معنوية باذخة تتقاطع فيها تطلعات الروح الفطرية مع صرامة التقييم المالي والائتماني الشامل.
بيد أن هذا الأفق المشرق كثيراً ما تغشاه غواشي العبث البشري، حين تمتد يد الإهمال لتخطف من الإنسان فرصةً سانحة، أو لتطفئ في عينيه شعلة توقع مشروع كاد أن يلامس اليقين. إن تفويت هذه المنفعة لا يصح أن يُختزل في ميزان الفلسفة والتشريع المعاصر في صورة "خيبة وجدانية" تبكيها النفس الآسفة بدموع شجية على مساكب الحزن، بل هو في حقيقة الأمر إتلاف بنيوي صريح لقيمة مالية محتملة الأيلولة، واعتداء جائر على أركان "الائتمان العام" الذي يشد وثاق الاستقرار المجتمعي. من هنا، يغدو تفكيك "الفرصة الفائتة" ضرورة معرفية وقانونية تتجاوز جمود المنظومات الوضعية العاجزة عن تسييل المعاني، لتبحر في لجج الفكر البيني، وتستنطق الجذور الكلامية والأصولية التي تحرس حمى الحقوق من أن تذروها رياح الاستهتار والهباء.
وحين يغوص الباحث المحقق في أغوار الفكر الكلامي والفلسفي، يرتطم فوراً بجدار المعضلة الكبرى التي طالما أرّقت عقول النظار وفلاسفة الإسلام: كيف يستقيم في معيار العدل الإلهي والوعي البشري أن نلزم كائناً فانياً بضمان نفع غيبي مستقبل، لم يُكتب في اللوح المحفوظ لصاحبه أن يناله؟ إن الغارقين في أوهام الجبرية الباردة، والواقفين عند ظواهر النصوص ببلادة ذهنية، يسارعون إلى نفض أيديهم من المسؤولية، زاعمين أن الفرصة الفائتة لو كانت مقدورة لوصلت، وأن حرمان العبد منها علامة قطعية على أنها لم تكن قط من رزقه المقدر.
لكن هذا المنطق المتهافت يتلاشى أمام العقلانية الإيجابية والعدالة الرسالية التي أسس قواعدها جهابذة الفكر الإسلامي؛ إذ يفصلون فصلاً حاسماً بين المشيئة الإلهية المحيطة بكل شيء، والمسؤولية الإنسانية المحاسَبة على نياتها وأفعالها. إن الجاني الذي يقطع برعونته أو خيانته طريق نجاح أو كسب أو شفاء على أخيه، لا يملك أن يتترس بحتمية القدر ليفلت من وعيد الجبر والضمان؛ لأن القدر غيب محجوب لا يصح الاحتجاج به لتبرير المظالم، ولأن الفعل البشري الجائر قد أنشأ سبباً شريراً متولداً عنه ضرر مشهود في دنيا الناس. فالمنفعة المأمولة المحاطة بالأسباب والجهد لم تكن عدماً محضاً، بل كانت إمكاناً مستحقاً مرعياً، لولاه لتعطلت حركة الحياة، ولغدا الوجود عبثاً تسوسه مصادفات عمياء لا وازع لها من حق أو فضيلة.
ومن هذا المعين الكلامي الصافي، يشرع الفكر الأخلاقي الائتماني في شن هجومه المعرفي على قلاع الحداثة المادية، تلك التي أصيبت بعقم بنيوي جراء فصلها النكد بين ترانيم الأخلاق وصكوك القانون. لقد تبلورت في ثنايا الفلسفة الغربية معضلات مشوهة مثل "الحظ الأخلاقي"، عجزت عن تفسير حركة الفرصة في المجتمع لأنها نظرت إلى الإنسان كآلة صماء تتحكم فيها رياح الصدف الجينية أو معادلات الأسواق الرياضية الجافة.
أما البديل الائتماني فيرى في الإنسان مستخلفاً حاملاً لأمانة كبرى؛ والتوقع المشروع والمنفعة المأمولة التي يكدح في سبيلها هما جزء لا يتجزأ من حرمة كينونته. إن خذلان إنسان لآخر، وإهدار أمله المستند إلى معايير حقيقية، هو بمثابة اغتيال معنوي لعفوية الفضيلة، وتقويض لأواصر الثقة الروحية التي تجمع البشر؛ إذ يتحول المجتمع حينها إلى غابة نفعية شرسة، تتصادم فيها الذوات بغير حياء، وتضيع فيها أحلام الضعفاء تحت سنابك الجشع المادي، ما لم تُربط المسؤولية التقصيرية برباط الالتزام الأخلاقي الصارم أمام الديان سبحانه وتعالى.
وإذا ما ارتقينا بمدارج النظر إلى محراب أصول الفقه، تجلى لنا معمار برهاني هائل، يصوغ من أدوات التشريع موازين دقيقة كشعر الرأس، لعل أسطعها نوراً وأنفذها عمقاً هو "فقه المآلات" ونظرية "سد الذرائع". إن الأصولي المحقق، حين يدير نظره في النوازل المستقبلية والمنافع المحتملة، لا يحبس عقله في لحظة الفعل الراهنة، بل يمتد ببصره الثاقب ليرى عواقب الأحكام ومآلاتها في حياة الأمة وسلوك المكلفين.
وههنا يبرز ميزان أصولي دقيق يتأرجح بين مفسدتين: فتح الذرائع أمام دعاوى الأوهام العبثية والخيالات الفضفاضة التي قد تزلزل المراكز القانونية وتغرق المحاكم في سيل من المطالبات المسترسلة بغير خطام ولا زمام (وهو ما يناقض مقصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج)، وبين مفسدة إهدار المنافع الجدية المأمولة التي تهيأت أسبابها وكادت ثمارها أن تدنو، مما يفتح باباً واسعاً للاستهتار والجرأة على حقوق العباد. ومن ثم، يطبق الأصولي قاعدة "الوسائل تعطى أحكام المقاصد"؛ فإذا بلغت الفرصة من الجدية والوضوح غايةً يجعل مآلها الغالب هو التحقق والوقوع، فإن وسيلة تفويتها وإعدامها تأخذ حكم إتلاف المقصد نفسه، مما يوجب القول بالضمان عيناً أو بدلاً، زجراً للجاني وجبراً لكسر المكلوم، في تلاحم رائع بين رعاية الكليات المرعية وحفظ المتغيرات الواقعية.
هذا التقعيد الأصولي الباذخ يترجم نفسه بمرونة مذهلة في تفاريع الفقه الإسلامي ومكنوناته الذكية، التي سبقت تشريعات الغرب بقرون في تلمس مواطن المسؤولية عن الأضرار المستقبلية والمنافع المحتملة. إن الفقهاء، على الرغم من ورعهم الشديد في اشتراط "الملكية الراهنة" للضمان، لم يغلقوا أعينهم عن مقتضيات الإنصاف ومحاربة البغي؛ فسطروا في مدوناتهم قضايا تنضح بالعدالة، كمسألة الغاصب الذي يحبس صانعاً أو أجيراً عن كسبه، حيث قرر فحول المحققين ضمان أجر مثل هذا العامل تفريعاً على أن منافعه وإن كانت مستقبلية، إلا أنها محققة الحصول ومتقومة بالزمن والجهد، فكان إعدامها ظلماً موجباً للتعويض والمثلية،بل أقول فوق المثلية لدخول الإخلال بمبدأ الحرية الإنسانية فى تقديرات النظرة التصورية للمسألة .
بل تجد هذا الوعي الفقهي سارياً في أحكام الشفعة، ومنع الصفقات التجارية بغير وجه حق، حيث اعتبر العقل الفقهي المستنير أن حرمان المكلف من فرصة التملك السانحة هو ضرر فادح يستوجب الرفع والإزالة تحت مظلة القاعدة النبوية الشريفة "لا ضرر ولا ضرار". وهو ما يبرهن على أن الفقه الإسلامي لم يكن يوماً قوالب جامدة لا تبصر إلا الأعيان المادية، بل كان يستحضر روح الحق، مرسخاً أن الأمل البشري الجاد هو قيمة معنوية ومالية تستحق الحماية والذود عنها في سوق المعاملات فى دنيا الناس.
وحين نضع هذا التراث المعرفي العريق في مرآة التقييم القانوني المعاصر، نلحظ أن المنظومات المدنية الحديثة (ولا سيما المدرسة اللاتينية) قد حاولت جاهدة صياغة أطر لهذه المسؤولية عبر نظرية "تفويت الفرصة" واشتراط أركان تقليدية من خطأ وضرر وعلاقة سببية. غير أن هذه المحاولات الوضعية بقيت أسيرة جموديات لفظية ، ومكبلة بأغلال المعايير المادية الصرفة؛ إذ يقع القاضي الوضعي في حيرة خانقة وتناقض مستمر بين محاولة إثبات علاقة سببية قطعية بين خطأ مشهود وضرر احتمالي غيبي، مما يدفعه تارة إلى المغالاة في التعويض تأثراً بعاطفة مجردة، وتارة إلى الجفاء المطلق ورد الدعاوى بدعوى أن المستقبل لا يُبنى على الظنون.
وتتبدى هذه الإشكالية الفلسفية جلياً في الأخطاء الطبية والنوازل التجارية المعاصرة؛ فإذا تسبب طبيب بإهماله في حرمان مريض من فرصة علاج راجحة النجاح فمات، يقف القانون الوضعي عاجزاً عن التمييز: هل يعوض عن فوات الروح أم عن فوات الأمل؟ وهنا تظهر الحاجة الماسة إلى البديل الائتماني المشترك الذي يصهر آليات القانون المدني بمرونة الفقه الإسلامي وعمق النظر الكلامي، ليصوغ نظرية "ضمان المنفعة المأمولة"؛ كبديل يحول معيار الجدية من معادلة إحصائية جافة إلى تقييم أخلاقي ومالي مستوعب لسلوك الأطراف وسياق الواقع، فإذا انطوى فعل الجاني على خيانة للأمانة أو استهتار بالواجب، ضُيِّق الخناق عليه ووُسِّعت دائرة الضمان، صيانة لفضيلة الائتمان وحماية للثروات اللامادية للإنسان.
وعند مغرب الفكر ومشرق الروح، ينجلي لنا بوضوح أن "الفرصة الفائتة" ليست مجرد مادة جافة تتداولها مدونات القوانين، بل هي قضية وجودية كبرى وإشكالية حقوقية تبحث عن تفسيرها العادل الذي يربط الأرض بالسماء، والمسؤولية بالقدر، والمال بالأخلاق الفاضلة. إن المنفعة المأمولة هي ذلك الخيط السحري الذي يربط حاضر الإنسان بمستقبله، فإذا انقطع بفعل عابث أو بغي ظالم، تداعى بنيان السكينة النفسية والاجتماعية في المجتمع.
وما أجمل الشريعة الإسلامية وهي تتقدم بحلولها الائتمانية لتمسح دمعة المحزون، وتجبر خاطر المنكسر الذي ضاعت في لُجج الحياة وعواصفها آماله ومنافعه، لتقدم له ميزاناً يقيم القسط في الدنيا ويدخر الأجر والرفعة في الآخرة. إن صياغة هذه النظرية البينية هي خطوة نحو عتق القانون من أسر ماديته الخانقة، وإرجاعه إلى منبعه الإنساني والأخلاقي الأول، حيث يستقيم تداول الحقوق، ويأمن المرء على سعيه وجهده وغده، ويسير المكلف في دروب الاستخلاف بروح يملؤها اليقين والرضا، متفيئاً ظلال منظومة تشريعية تحمي الروح والبدن، والأمل والمال معاً؛ والحمد لله في الأولى والآخرة، وهو الهادي إلى سواء الصراط.