تظل حكايات جحا، رغم بساطتها السردية، تحمل في طياتها أبعادًا دلالية قادرة على تفسير قضايا راهنة تتجاوز سياقها الزماني والمكاني. وتبرز قصة "مسمار جحا" كواحدة من أبرز هذه الحكايات، إذ تحولت من نادرة شعبية مسلية إلى رمز بلاغي يُعبّر عن آلية توظيف ثغرة صغيرة لتحقيق هدف كبير. ففي الظاهر، تحكي القصة عن مسمار احتفظ به جحا بعد بيع منزله، غير أنه استطاع عبر هذا الحق الهامشي أن يستعيد الدار بكاملها. أما في العمق، فتكشف القصة أن قيمة الحقوق لا ترتبط بحجمها، بل بقدرة أصحابها على استثمارها في السياق المناسب.
اليوم، ومع تشتت آلاف القطع الأثرية المصرية في متاحف العالم، يطرح سؤال جوهري: هل تمتلك مصر "مسمار جحا" الخاص بها؟
تتناثر اليوم كميات هائلة من الآثار المصرية في متاحف ومقتنيات خاصة حول المعمورة، خرجت من بلدها الأصلية في ظروف تاريخية وقانونية متباينة؛ فبعضها نُقل في إطار نظام القسمة الأثرية السائد خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وبعضها الآخر جرى تهريبه خلال فترات الاحتلال، فيما صدرت قطع ثالثة بطرق غير مشروعة. هذا التنوع في مسارات الخروج يجعل عملية الاسترداد عبر قناة قانونية موحدة مسألة بالغة التعقيد، بل تكاد تكون مستحيلة في كثير من الحالات، خاصة تلك التي يعود تاريخ خروجها إلى ما قبل ظهور مفهوم حماية التراث الثقافي بالصيغة المعاصرة المعترف بها دوليًا.
ورغم انتقال الحيازة المادية للقطع الأثرية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انقطاع صلتها الثقافية بالدولة التي نشأت فيها. ومن هنا يمكن تطوير مفهوم يُطلق عليه "الملكية الثقافية"، بوصفه إطارًا فكريًا وقانونيًا يميز بين ملكية الحيازة وارتباط الأثر بهويته الحضارية التي تظل ملازمة له مهما تغير موقعه الجغرافي. فالمتحف يمارس حق الحيازة والعرض، بينما يبقى الانتماء الثقافي والحضاري مرهونًا بمصر، فليس بمقدور أي متحف في العالم أن ينقل هذه الصلة الجوهرية بمجرد نقل القطع.
ورغم أن اتفاقيتي اليونسكو 1970 واليونيدروا 1995 لم تنصا صراحة على التعويض عن الضرر الثقافي، فإن اعترافهما بالقيمة الثقافية للممتلكات وبحق الدول في المطالبة بإعادتها يفتح المجال أمام تطوير اجتهادات قانونية مستقبلية تتناول هذا النوع من الضرر ووضع آليات تنفيذ واضحة عن كيفية التعويض عنه.
غير أن الواقع القانوني يفرض جملة من التحديات الجوهرية التي ينبغي الاعتراف بها بموضوعية. فأولًا، الاتفاقيات الدولية المذكورة لا تنطبق بأثر رجعي، أي أنها لا تغطي القطع التي خرجت قبل تاريخ نفاذها، والغالبية العظمى من الآثار المصرية الموجودة في المتاحف الكبرى خرجت قبل عقود أو قرون. وثانيًا، لا توجد آلية دولية ملزمة لإعادة الممتلكات الثقافية، بل تعتمد الآليات القائمة على التفاوض الطوعي والموافقة المتبادلة بين الدول، مما يجعل القوة التفاوضية للدول المضيفة عاملاً محوريًا في أي مفاوضات. وقد شهدت السنوات الأخيرة نماذج تفاوضية ناجحة، منها اتفاقات إعادة أو إعارة برونزيات بنين إلى نيجيريا، والمفاوضات المستمرة بشأن رخاميات البارثينون بين اليونان والمملكة المتحدة، بما يؤكد أن التفاوض أصبح أحد أهم أدوات معالجة النزاعات المتعلقة بالتراث
ورغم هذه العقبات، فإنها لا تعني غلق الأبواب نهائيًا، بل تستدعي تبني استراتيجية أكثر مرونة تأخذ في الاعتبار التنوع القانوني والتاريخي للقطع، وتستثمر الثغرات الموجودة في النصوص الدولية بدل الاصطدام بها. فالقانون الدولي للتراث لا يزال في مرحلة التشكل، والأحكام القضائية الدولية في هذا المجال محدودة، مما يترك مجالًا للاجتهاد والتطوير.
وفي ضوء ما يسمح به القانون الدولي حاليًا، وما يمكن السعي إلى تطويره مستقبلًا، يمكن تصور ثلاثة مستويات متدرجة للمطالبات:
المستوى الأول يتمثل في الاسترداد الكامل، وهو المسار التقليدي الذي تتبعه مصر حاليًا مع القطع التي ثبت خروجها بطرق غير مشروعة بعد نفاذ الاتفاقيات الدولية، أو التي تتوافر بشأنها أدلة قانونية قوية.
المستوى الثاني يتمثل في الاعتراف بالحقوق الثقافية المستمرة، وهو المستوى الجديد الذي يمثل جوهر استراتيجية "مسمار جحا"، وفيه نطالب بالاعتراف الدائم بالحقوق الثقافية المصرية المرتبطة بالقطع التي يتعذر استردادها قانونيًا، وذلك بوصفها جزءًا لا يتجزأ من هويتها الحضارية.
المستوى الثالث هو التعويض عن الضرر المعنوي والثقافي، وهو مسار يستند إلى أن فقدان التراث يلحق ضررًا جوهريًا بالدولة المصدرة، ويمكن بحث بدائل تفاوضية متعددة تشكل أساسًا لاتفاقات ثنائية مستقبلية بين مصر والمؤسسات المالكة للآثار ومنها:
- المشاركة المصرية في اللجان العلمية والإدارية للمتاحف التي تعرض القطع المصرية.
- الحق في تنظيم معارض مؤقتة للقطع الأثرية في مصر، دون أعباء مالية.
- إنشاء فروع لهذه المتاحف في مصر نفسها، لتكون جسورًا للتواصل الحضاري.
- تخصيص نسبة رمزية من عائدات المتاحف التي تضم مجموعات أثرية مصرية كبيرة، لدعم مشاريع صيانة وترميم الآثار في مصر، على أساس أن التراث المصري يدر أرباحًا على هذه المتاحف، ومن العدل أن تعود جزء من هذه الأرباح إلى الحاضنة الأصلية لهذا التراث.
- تعزيز التعاون مع الدول التي تواجه تحديات مماثلة في استرداد تراثها الثقافي، بما يسمح بتشكيل مواقف تفاوضية مشتركة داخل المنظمات الدولية.
لتحويل هذه الرؤية إلى إجراءات عملية، يجب اول إنشاء قاعدة بيانات شاملة للقطع الأثرية المصرية الموجودة في الخارج، مع تحديد ظروف خروج كل قطعة على حدة. ثم بعد ذلك فتح قنوات تفاوض متنوعة مع المتاحف الكبرى، بحيث تشمل خيارات تعويضية متنوعة. وأخيرا التحرك على المستوى الدولي للمطالبة بتطوير آليات أكثر إنصافًا للتعويض عن الضرر الثقافي.
إن الهدف من استراتيجية "مسمار جحا" ليس الالتفاف على القانون الدولي أو استبدال مسارات استرداد الآثار القائمة، وإنما توسيع دائرة الممكن، بإضافة أدوات تفاوضية وقانونية جديدة إلى الجهود المصرية في مواجهة أحد أكثر ملفات التراث الثقافي تعقيدًا. فالقوانين الدولية تتطور بفعل الممارسة وتراكم السوابق الدولية. وربما يكون "مسمار جحا" في الحالة المصرية فكرة قانونية قادرة على فتح آفاق جديدة للاعتراف بحقوقها الثقافية، ويؤكد أن قوة الحق تكمن في حسن توظيفها واستمرار المطالبة بها.