عاجل

يشكون معاناتهم مع القطاع الخاص.. ماذا يحدث لـ"الجيش الأبيض"؟

عامل زراعي وفاعل وخياط.. تعرف على مهن أطباء الأسنان غير المكلفين في الصحة

أطباء الأسنان
أطباء الأسنان

من عيادة طبيب أسنان إلى سلة فراولة، ومن مشرط جراحة إلى ماكينة خياطة، ومن كشف طبي إلى حمل الطوب في ورشة بناء، هكذا تبدّلت ملامح المستقبل الذي رسمه شباب دفعة 2023 من خريجي كليات طب الأسنان، الذين وجدوا أنفسهم بعد سنوات من السهر والدراسة الثقيلة والمصاريف الباهظة، في مواجهة سوق عمل لا يرحم، ومعركة يومية لإيجاد "أي شغل.. أي حاجة تجيب قرش"، حتى لو كانت أبعد ما يكون عن المهنة التي عاشوا لأجلها.

دفعة كاملة في مهب الريح

لم يكن أحد من خريجي طب الأسنان دفعة 2023 يتخيل أن يوم تخرجه سيكون بداية مرحلة أشد قسوة من أي امتحان مر عليه، فبين طبيب يجمع الفراولة، وآخر يعمل في الحياكة، وثالث يحمل الطوب، وفتاة تفضل الجلوس في بيتها على أن تُهان تحت مسمى "التدريب"، تعيش هذه الدفعة حالة غير مسبوقة من الضياع المهني، فيما تبقى أحلامهم معلّقة على قرار، ومستقبلهم محبوسًا بين تعقيدات سوق العمل.

أحمد محمود طبيب يجمع الفراولة ويطاوع الظروف

من مركز الدلنجات بمحافظة البحيرة، يقف أحمد محمود، خريج دفعة 2023، عند مفترق طرق لم يخطر له على بال يومًا، فبالنهار، يجمع الفراولة من الفلاحين ليوزعها على مصانع العصائر، وفي المساء يرتدي "البالطو" ليعمل طبيبًا أول في عيادة ريفية مقابل 2000 جنيه شهريًا، لكن على الورق فقط، إذ لا يحصل على خبرة رسمية معترف بها بسبب توقف التكليف، ما اضطره لقبول وظيفة لا تحفظ حقه ولا مستقبله.

وبين تجارة الفراولة والعمل في العيادة، يعمل أحمد أيضًا "مندوب طبي"، يروّج لمستلزمات الأسنان والأجهزة الطبية، ويُسوّق منتجات الشركات لدى أطباء الباطنة والأطفال، في مهنة لا علاقة لها بتخصصه، لكنها أصبحت بابًا وحيدًا لكسب الرزق بعدما تجاوز عمره 26 عامًا، وأصبح مضطرًا لتحمل مصروفاته بنفسه، بعد أن أنفق ذويه مئات الآلاف من الجنيهات على دراسته الجامعية.

إسماعيل عمر.. استبدل البالطو بماكينة خياطة

في مدينة أبو حمص بالبحيرة، يعمل إسماعيل عمر اليوم "ترزيًا"، يخيط الدفايات والبيجامات والعبايات، بعد أن يشتري أقمشة القماش الخام من المحلة ويُصنعها بيديه، ولا يخجل حين يقول: "قربت أنسى إني طبيب، والشغل مش عيب".

بدأ إسماعيل حياته المهنية بالعمل في عيادات خاصة، لكنه وجد أن ما ينتظره هناك "إهانة" لا تُحتمل، فالأجر كان زهيدًا، ونسبته من الكشف لا تتجاوز 30% بحد أقصى 200 جنيه، وأحيانًا كان يعود لمنزله بلا مقابل، ما دفعه لترك العيادات بعدما شعر أن كرامته "تُدفن" هناك.

ويقضي إسماعيل حاليًا خدمته الوطنية منذ يوليو 2025، وينتظر أن يخرج منها في سبتمبر المقبل، وخلال إجازاته يعمل في ورشته الخاصة ليصرف على نفسه في الجيش، ويخطط لفتح عيادة بعد نهاية خدمته، لكن ليس كطموح مهني بقدر ما هو "ستار اجتماعي" حتى لا يسمع كلمات الشماتة من محيطه. 

ويقول إنه بعد بحث طويل، وجد أن تكلفة افتتاح عيادة تصل إلى 300 ألف جنيه، مضيفًا: "أهلي قالولي هنساعدك بعد ما عرفوا الإهانة اللي باشوفها في العيادات الخاصة، لإن التعامل معانا مش أحسن حاجة، لإنهم عارفين إننا ملناش تكليف".

ويتابع: "عشان متعبش نفسيًا، أهلي بيحاولوا يساعدوني في فتح العيادة، حتى لو بإمكانيات قليلة، رغم إن العائد المادي منها مش هيغطي تكليفها، لإن خبرتي غير مكتملة في نظر المرضى، بيقولوا حديث التخرج ولسة بيجرب، فهي من باب المظهر الاجتماعي مش أكتر، أما لكسب العيش، أنا شغال ترزي".

حسن عبد اللطيف.. من كلية الطب إلى المعمار

لم يجد حسن عبد اللطيف مكانًا له لا في عيادة ولا في مستشفى، ما جعله يعمل اليوم "عامل يومية" في المعمار، يتقاضى 300 جنيه في اليوم، ويحمل الطوب أكثر مما يمسك المشرط. لكنها الحياة حين تغلق الأبواب في وجه حلم كلّفه سنوات من عمره.

منة عبد السلام.. الكرامة أفضل من الاستغلال

بالنسبة لمنة عبد السلام، لم تكن المشكلة في غياب التكليف فقط، بل في نظرة القطاع الخاص لحديثي التخرج، إذ كانت كل فرصة عمل تبدأ بجملة: "اشتغلي 3 شهور تدريب وبعدين نشوف"، لكنها اكتشفت أن هذه الأشهر لم تكن سوى فترة استغلال، بلا خبرة تُكتسب، ولا أجر محترم، وبمعاملة سيئة، وحين حاولت الاعتراض تم الاستغناء عنها فورًا. فقررت منة أن تبقى في المنزل، قائلة: "كرامتي أهم من إني أتهان تحت اسم التدريب".

أمل هلال.. "طب الأسنان مهنة سامية بـ1500 جنيه في الشهر"

كان الالتحاق بكلية طب الأسنان حلم أمل هلال، فبذلت قصارى جهدها في الثانوية العامة حتى حصلت على مجموع 98%، وهو مجموع كان يؤهلها لدخول كلية طب بشري، لكنها أصرت على طب الأسنان باعتبارها مهنة سامية، ومناسبة للإناث في نظرها. 

وقد بدأ شغفها بهذا التخصص بعد ترددها المستمر على عيادات الأسنان لمعاناتها من مشاكل في أسنانها، ما جعلها تشعر أن هذه المهنة "ولدت من أجلها".

لم يكن طريق أمل خلال سنوات الدراسة سهلًا، إذ تكبّد ذووها أموالًا طائلة تجاوزت مصاريف شقيقها في كلية الهندسة، على حد وصفها: "أخويا مكانش بيصرف نصف مصاريفي"، إضافة إلى المجهود البدني والتكلفة العالية للمواد الخام التي احتاجتها طوال سنوات دراستها.

وبعد التخرج، لم تستطع أمل العمل بشهادتها كما حلمت، وتقول: "لسة لحد دلوقتي باخد مصروفي من أهلي" وعندما حاولت العثور على فرصة تُبقي حلمها حيًا، عملت بالفعل في عيادة خاصة، لكن أقصى مرتب حصلت عليه كان 1500 جنيه في الشهر، يذهب نصفه تقريبًا في المواصلات، دون أن يكون ثابتًا.

أما عن حلمها بفتح عيادتها الخاصة، فتقول: "ماقدرش افتح عيادة ليا، بسبب تكلفتها المرتفعة جدًا، كدا هبقى عبء على أسرتي"، مضيفة: "أنا معنديش كمان الخبرة الكافية على الصعيد الطبي والإداري تخليني أخد الخطوة دي، اللي بعتبرها مغامرة غير محسوبة" وتختم حديثها بقناعة راسخة: "قرار فتح العيادة قرار خاطئ للجميع، لإنه غير مجدي ماديًا، كما إن نقص خبرتي ختليني صعب أنافس باقي الأطباء الاستشاريين".

حلم واحد لا يزال حيا

بين طبيب يجمع الفراولة، وآخر يعمل في الحياكة، وثالث يحمل الطوب، وفتاة تفضّل الجلوس في بيتها على أن تُهان، تتشابه قصص دفعة كاملة من خريجي طب الأسنان في نقطة واحدة: أحلام معلّقة على قرار، ومستقبل محبوس في انتظار حل. 

ورغم مرور الوقت، وبدء بعضهم في نسيان تفاصيل مهنتهم التي درسوها لسنوات، ما زالوا جميعًا يتمسكون بخيط أمل أخير، أن تعود إليهم يومًا المهنة التي حلموا بها منذ كانوا أطفالًا يرددون: "عايز أبقى دكتور".

تم نسخ الرابط