الأزهر الشريف محذرا من الوشم: تغيير للخلقة ويهدد الصحة
انتشار صور الوشم على منصات التواصل الاجتماعي أثار موجة واسعة من النقاش بين الشباب والمهتمين بالشأن الديني، حيث انقسم رواد المواقع بين مؤيد يرى فيه حرية شخصية وزينة عصرية، ومعارض يعتبره مخالفة شرعية وتغييرًا لخلق الله.. وفي هذا الإطار نكشف عن رأي الأزهر في حكم رسم الوشم «التاتو».
تعريف الوشم المعاصر
يقول مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية: صورة الوشم «التاتو» المعاصرة تكون بإدخال أصباغ إلى طبقات الجلد الداخلية بوخز إبرة موصولة بجهاز صغير، يحمل أنبوبًا يحتوي على صبغة ملونة، وهو عمل مشابه لعمل ماكينة الخياطة على قطعةٍ من القماش، وفي كل مرة تغرز الإبرة في العضو الموشوم تدخل قطرة صغيرة من الحبر إلى طبقات الجلد الداخلية وتختلط بالدم؛ ومن ثمَّ يبقى أثر هذه العملية مدى الحياة، أو يظل مدة ستة أشهر فأكثر.
الحكم الشرعي للوشم
وشدد مركز الفتوى على أن حكم الوشم «التاتو» هو الحرمة؛ مستشهدا بقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ ... الوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ» [أخرجه البخاري].
ولحديث ابن مسعود رضي الله عنه: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ» [أخرجه مسلم]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لُعِنَتِ ... وَالْوَاشِمَةُ، وَالْمُسْتَوْشِمَةُ، مِنْ غَيْرِ دَاءٍ -أي من غير ضرورة-». [أخرجه أبو داود].
وبين مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن بعض الفقهاء عَدّ الوشم كبيرة من كبائر الذنوب. وحكم الحرمة عام يشمل الرجال والنساء على السواء، وقَصْر الخطاب في الأدلة المذكورة على النساء جاء مناسبًا للأغلب؛ لوقوعه من النساء أكثر.
علل التحريم ومخاطر الوشم الصحية
وأفاد أنه جاء التشديد على حرمة الوشم تبعًا لتعدّد علل النهي عنه وكثرتها، فعلاوة على اللعن المقترن به في النصوص المذكورة؛ فإنه يشتمل كذلك على تغييرٍ للخلقة، وتشويه، وتبرُّجٍ وتدليسٍ في بعض صوره، وضررٍ صِحّي. إذ الوشم ينقل الأمراض التي تنتقل عن طريق الدم كفيروس الكبد الوبائي، وفيروس نقص المناعة البشري المعروف بـ«الإيدز» في حال تلوث الآلات المُستخدمة وحملها للفيروسات.
كما يسبب الوشم عدوى الجلد -على الرغم من استعمال إبرة جديدة لكل شخص- عن طريق حبر الوشم، الذي قد يحتوي على بكتيريا منقولة من شخص آخر مصاب؛ مما يسبب الطفح الجلدي والتورم والألم؛ ومن ثمَّ تزيد نسبة تكوُّن الحُفَر والندوب على البشرة.
ويُؤدي الوشم أيضًا إلى تغيّر لون الجلد بسبب صبغة «الميلانين» الموجودة في الجلد المصبوغ بالتاتو، والتي قد تتسبب في تغيّر لون الجلد فور اختفائها، وفي بعض الحالات تظهر بعض الكدمات الزرقاء على المنطقة التي رُسِم التاتو عليها في شكل تورّم، كما يُؤثِّر التاتو على كريات الدم البيضاء؛ الأمر الذي يقلل من مهاجمة الجسم للأمراض والبكتيريا.
ويضيف مركز الفتوى ناهيك عن التشوّه والنفور الحاصل بسببه، ومبالغة بعض الواشمين فيه حتى استخدموه في وشم بياض أعينهم باللون الأسود، الأمر الذي أدّى إلى فقد بصر كثير منهم، كما أن لإزالة الوشم «التاتو» مخاطر طبية أيضًا، بالإضافة لانحباس الدم في موضع الوشم، وتلبس جميع حالات العبد به، حتى في أداء الفرائض كالصلاة التي ينبغي لها الطهارة الكاملة.
ولفت مركز الفتوى إلى أنه اتفق الفقهاء على نجاسة موضعه من الجسم. لذا؛ كانت إزالة الوشم «التاتو» من الجسم واجبة إن وجدت طريقة إزالة مقدور عليها، آمنة -كإزالته بالليزر مثلًا-؛ يحافظ الإنسان من خلالها على العضو الموشوم ووظيفته.
وأفاد أنه قد استُثنيت من حكم حرمة الوشم حالتان، هما: إذا تعين الوشم «التاتو» علاجًا لأحد الأمراض، مع وجود ضرورة مُلحّة للوشم بحيث لم يجد المريض بديلًا عنه مباحًا، وكان تدخّل الوشم بغرض ردِّ الخلقة لطبيعتها، وكان فعله بقدر إزالة الضرر، وأُمنت أضرار الوشم المذكورة سابقًا؛ فالضرر في الشرع لا يزال بضرر مثله، ويجوز أيضًا إن وجدت ضرورة تستدعي ذلك؛ فالضرورات تبيح المحظورات. ومن الأمثلة على هذه الحالات:
جواز الوشم في رد شكل الجلد إلى طبيعته بعد أن غيّره حرْق أو أحد الأمراض الجلدية كالبهاق، ولتخفيف التشويه بوشم أظافر لمن بُترت أطراف أصابعه مثلًا، وفي علاج بعض حالات الصَّلع والوحمات التي ليس لها علاج تجميلي إلا بالوشم، وجواز النقش بكتابة الاسم والعنوان على أيدي ذوي الاحتياجات الخاصة، ممن يُخشى فقدانهم إن كان في ذلك ضرورة، ولم توجد غير هذه الوسيلة.
الوشم «التاتو» المؤقت على سطح الجلد الخارجي سواء بالحناء، أو بأقلام التحديد ذات الرسم غير الدائم، سهل الإزالة؛ لكون هذا النوع من الوشم لا ديمومة فيه، وتسهل إزالته، فهو لم يأخذ من الوشم المحرَّم إلا الاسم فقط. ولا بأس في تزين المرأة به، بشرط ألا تشتمل رسومُه على مُحرّم مخالف لأوامر الشرع وآدابه، وألا يؤدي لتشويه الخلقة، وألا يطلع على زينة المرأة به رجلٌ أجنبي عنها. ورسمُ أشكالٍ على سطح الجلد الخارجي لجسد الرجل كجلد الذراع أو الرقبة، أو نحو ذلك بما لا يُعدُّ وشمًا؛ لا يجوز أيضًا؛ لما فيه من التَّشبه بالمرأة، ولكونه لا يناسب طبيعة الرجل ومروءته.