بعد وهم الحسم السريع.. هل ورط ترامب أمريكا في حرب بلا نهاية مع إيران؟
تتزايد التحذيرات في الأوساط البحثية والإعلامية الأمريكية من أن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران قد تتحول إلى صراع طويل الأمد، في وقت كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تعهد خلال حملته الانتخابية بتجنب إدخال بلاده في حروب جديدة وإنهاء النزاعات الخارجية.
ورأت صحيفة نيويورك تايمز أن التطورات الأخيرة تشير إلى دخول واشنطن مرحلة جديدة من "الحروب الأبدية"، بعد انهيار مذكرة التفاهم التي كانت قد أوقفت القتال مؤقتًا، واستئناف العمليات العسكرية بالتزامن مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، دون تحقيق الأهداف الأمريكية المعلنة، سواء إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي.

حرب ترامب مع إيران قد تتحول إلى صراع طويل الأمد
ونقلت الصحيفة عن علي واعظ، مدير مشروع إيران في "مجموعة الأزمات الدولية"، قوله إن الطرفين نظرا إلى مذكرة التفاهم باعتبارها "استمرارًا للحرب بوسائل أخرى، لا جسرًا نحو السلام"، محذرًا من أن غياب تسوية مستدامة قد يقود إلى "حرب دائمة" بين البلدين.
وأشارت الصحيفة إلى أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة وقعت مرارًا فيما يصفه الباحثون بـ"وهم الحرب القصيرة"، أي الاعتقاد بأن التفوق العسكري قادر على تحقيق انتصار سريع ومنخفض الكلفة، قبل أن تتحول المواجهات إلى نزاعات طويلة تستنزف الوقت والموارد.

وقال لورانس فريدمان، أستاذ دراسات الحرب في كلية كينجز بلندن، إن القوى الكبرى غالبًا ما تبالغ في تقدير قدرة القوة العسكرية على تحقيق أهداف سياسية سريعة، بينما تتجاهل حدود هذه القوة عندما تواجه خصمًا مستعدًا لخوض حرب طويلة.
وأضاف أن ترامب، على غرار ما حدث للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، وضع أهدافًا يصعب تحقيقها من دون مواجهة ممتدة، في وقت يرفض فيه إرسال قوات برية إلى إيران، ويعتمد بصورة رئيسية على الضربات الجوية والبحرية، وهو ما يقلل فرص تحقيق حسم عسكري.
ولفتت نيويورك تايمز إلى أن نجاح حرب الخليج عام 1991 ارتبط بأهدافها المحدودة، والمتمثلة في إخراج القوات العراقية من الكويت، بينما تحولت الحربان في العراق وأفغانستان لاحقًا إلى محاولات لإعادة تشكيل الأنظمة والمجتمعات، وانتهتا دون تحقيق أهدافهما النهائية.

هل خسرت واشنطن معركة مضيق هرمز للأبد؟
وفي السياق ذاته، رأت مجلة نيوزويك أن استمرار الحرب قد يصب في مصلحة الحرس الثوري الإيراني أكثر مما يخدم واشنطن، إذ يمنح المؤسسة العسكرية الإيرانية مبررات لتعزيز نفوذها وتشديد قبضتها الأمنية.
وقال أندرياس كريغ، أستاذ الأمن في كلية كينجز بلندن، إن الحرب الطويلة "تعزز النموذج السياسي للحرس الثوري"، لأنها تُبقي البلاد في حالة تعبئة مستمرة، وتبرر تشديد الإجراءات الأمنية، وتكرس دور الحرس بوصفه المدافع الرئيسي عن الدولة.
وأضاف أن إيران لا تزال تمتلك أدوات ضغط مؤثرة، أبرزها قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز وإرباك أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يمنحها تأثيرًا يتجاوز قدراتها العسكرية التقليدية.
ويرى محللون أن هذا النوع من الحروب غير المتكافئة يسمح لطهران بإلحاق خسائر اقتصادية كبيرة بخصومها، حتى في ظل عدم قدرتها على مواجهة التفوق العسكري الأمريكي بصورة مباشرة.

وتجمع التحليلات على أن الضربات الجوية وحدها لن تكون كافية لتحقيق الأهداف الأمريكية القصوى، إذ يمكنها إضعاف البنية التحتية الإيرانية، لكنها لا تضمن القضاء على القدرات الصاروخية أو إسقاط النظام.
وقال كريج إن الحرس الثوري يدرك أن الولايات المتحدة قادرة على تصعيد عملياتها العسكرية، لكنها قد تواجه كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة إذا سعت لتحقيق أهدافها بالكامل، في حين تعتقد طهران أنها تستطيع تحمل الضغوط لفترة أطول من قدرة واشنطن على تحمل ارتفاع أسعار الطاقة والخسائر العسكرية والضغوط الداخلية.
واعتبرت نيويورك تايمز أن مضيق هرمز أصبح محور الأزمة الرئيسي، بعدما أوجدت الحرب واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه.
وقالت سوزان مالوني، مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينجز، إن مرحلة الملاحة الحرة الكاملة في المضيق ربما انتهت، متوقعة ظهور واقع جديد يتطلب وجودًا عسكريًا أمريكيًا أكبر في المنطقة بسبب قدرة إيران على تهديد حركة السفن.
من جانبه، رأى والي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، أن ميزان الصبر يميل لصالح إيران، لأن مصالحها في هذا الصراع أكثر حيوية من المصالح الأمريكية، ما يجعلها أكثر استعدادًا لمواصلة المواجهة.
وخلصت التحليلات إلى أن غياب الثقة بين الطرفين، وتضارب أهدافهما، والخلاف حول مستقبل مضيق هرمز، عوامل تجعل فرص التوصل إلى تسوية شاملة محدودة، فيما يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا استمرار دورة من الضربات العسكرية والمفاوضات المتقطعة، بما يقرب الصراع من نموذج "الحرب طويلة الأمد" التي تعهد ترامب سابقًا بتجنبها.



