عاجل

آيات كريمات في قصة سيدنا أيوب (عليه السلام) هي من أرقِّ ما يملأ القلب بمعاني العبودية والافتقار والرجوع إلى الله؛ لأنها لا تحكي قصة مرضٍ فحسب، وإنما تكشف عن سرٍّ عظيم من أسرار السير إلى الله.

﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوُبَ﴾ قبل أن يذكر الله البلاء، ذكر العبودية. وكأن أعظم ما في قصة أيوب ليس ما أصابه، بل مقامه عند الله. فالعبد الصادق لا تُعرِّفه النعم إذا أقبلت، ولا المحن إذا نزلت، وإنما تُعرِّفه عبوديته لربه في جميع الأحوال.

﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ لم ينادِ الناس، ولم يعلِّق قلبه بالأسباب، وإنما اتجه مباشرة إلى باب مولاه. فهناك لحظات لا يملك القلب فيها إلا أن يطرق باب الله، وحينها يكتشف أن أقرب الأبواب إليه هو باب ربه.

﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ما أرقَّ هذا الأدب! لم يقل: "ابتليتُ كثيرًا"، ولم يعدد ألوان ما أصابه، وإنما ذكر حاله في كلمات قليلة. فالمحب إذا وقف بين يدي محبوبه استحيا من الإطالة في الشكوى، واكتفى بعرض ضعفه، وهو يعلم أن الله أعلم بحاله منه.

ثم يأتي الفرج الإلهي: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ أمرٌ يسير، لكنه يحمل معنى عظيمًا؛ فحين يأذن الله بالفرج يجعل في أضعف الأسباب أعظم الآثار. سنوات من البلاء، ثم ضربة قدم بالأرض، فتتفجر الرحمة. ليعلم العبد أن الفرج ليس بقوة السبب، وإنما بأمر رب الأسباب.

﴿هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ رحمة الله إذا جاءت لم تقتصر على إزالة الألم الظاهر وفقط، بل هو مغتسل بارد لعلاج ما ظهر من مرض على الجلد، وشراب لعلاج السبب الداخلي للمرض.

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ لأن الكريم إذا أعطى لم يعطِ بقدر ما فقدت، بل بقدر كرمه سبحانه. قد يأخذ منك شيئًا ليملأ قلبك به، ثم يرده عليك مضاعفًا حين يحين الوقت الذي اختاره بحكمته.

﴿رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ليست قصة أيوب حادثة تاريخية تُروى، وإنما رسالة لكل قلب أنهكته الأيام: أن وراء البلاء رحمة، ووراء الصبر عطاء، ووراء الأقدار المؤلمة حكمة لا يراها العبد إلا بعد انكشاف الغطاء.

ثم تختم الآيات بالسر الذي أدى إلى كل ذلك، وهو ما كان ينقلب فيه سيدنا أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ لم يقل: وجدناه صحيحًا، ولا غنيًّا، ولا قويًّا، بل ﴿صَابِرًا﴾؛ لأن الصبر هو المعدن الذي تظهر به حقيقة العبودية.

ثم جاءت الشهادة الإلهية: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، وما أعظمها من شهادة! كأن الله يقول: هذا عبدٌ لم تبعده النعمة عني، ولم يصرفه البلاء عني، بل كان راجعًا إليَّ في كل حال.

﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾؛ أي كثير الرجوع إلى الله. فسرُّ أيوب لم يكن في صبره وحده، وإنما في دوام رجوعه إلى ربه. كلما اشتد عليه الألم رجع، وكلما طال البلاء رجع، وكلما ضاقت الأسباب رجع.

وهنا تتجلى اللطيفة الإيمانية العميقة: فليس المقصود من البلاء أن يتألم العبد، وإنما أن يعود. فإذا صار البلاء بابًا إلى الله، تحولت المحنة إلى منحة، وصار الألم طريقًا إلى القرب، واستحق صاحبه أن يسمع الثناء الأعظم: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.

تم نسخ الرابط