كولمبيا تتهم إسرائيل بالتدخل الرقمي في نتائج الانتخابات.. ما القصة؟
أثارت تصريحات للرئيس الكولومبي المنتهية ولايته جوستافو بيترو موجة من الجدل السياسي في أمريكا اللاتينية، بعدما أعاد فتح ملف نزاهة الانتخابات الرئاسية الأخيرة في كولومبيا، في وقت تتواصل فيه الاستعدادات لانتقال السلطة إلى الرئيس المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييلا، وسط انقسام سياسي واسع بشأن مستقبل المشهد الداخلي.
وجاءت تصريحات بيترو في ظل تصاعد النقاش داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول تأثير التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في العمليات الانتخابية، وهي قضية باتت تحظى باهتمام متزايد في عدد من دول المنطقة مع احتدام المنافسة بين التيارات اليسارية والمحافظة.
واتهم بيترو شركة الاستشارات الرقمية الإسرائيلية "بلاك كيوب" بالضلوع في التدخل بمسار الانتخابات الرئاسية، مدعيا أن الشركة، التي تضم بين كوادرها مسؤولين سابقين في أجهزة أمن إسرائيلية، نفذت عمليات إلكترونية استهدفت التأثير في فرز الأصوات عبر خوادم موجودة في ولاية لوس أنجلوس الأمريكية، الأمر الذي أدى، بحسب روايته، إلى تغيير النتائج النهائية بفارق ضئيل لصالح المرشح المحافظ أبيلاردو دي لا إسبرييلا على حساب منافسه اليساري إيفان سيبيدا.
وبحسب تقارير صحفية كولومبية وإسبانية، لم يقدم الرئيس المنتهية ولايته أي أدلة أو إثباتات علنية تدعم هذه الاتهامات، فيما سبق لشركة "بلاك كيوب" أن نفت في مناسبات سابقة أي علاقة لها بعمليات غير قانونية أو تدخلات في انتخابات دول أخرى.
الجدل يمتد إلى بيرو وسط طعون انتخابية ومخاوف من التلاعب الرقمي
وأعادت تصريحات بيترو إلى الواجهة المخاوف المتعلقة بما يصفه أنصار اليسار في كولومبيا بـ"التدخل الرقمي الخارجي"، إذ يعتبرون أن نشاط شركات متخصصة في جمع المعلومات والتحقيقات الرقمية قد يؤثر في مسار العمليات الانتخابية ويخدم توجهات سياسية معينة، من بينها تعزيز نفوذ الحكومات المحافظة وتقوية علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وامتد الجدل سريعاً إلى بيرو، حيث أعربت قوى يسارية عن مخاوف مماثلة عقب الانتخابات الرئاسية التي حُسمت بفارق محدود بين مرشحة اليمين كيكو فوجيموري ومنافسها اليساري روبرتو سانتشيز.
ورغم إعلان سانتشيز قبوله النتائج الرسمية لتجنب أزمة دستورية، تقدم تحالفه السياسي "معا من أجل البيرو" بطعون أمام السلطات المختصة طالب فيها بإلغاء نتائج أكثر من 1700 لجنة انتخابية، مستنداً إلى ما وصفه بـ"أنماط غير معتادة" في تحديث نتائج الفرز الإلكتروني، ولا سيما في أصوات الناخبين بالخارج والمناطق الحضرية الكبرى التي رجحت كفة منافسته.
ويرى متابعون للشأن اللاتيني أن هذه الاتهامات تحمل في المقام الأول أبعاداً سياسية، وتهدف إلى التشكيك في شرعية الحكومات اليمينية الجديدة وتعزيز موقف المعارضة الداخلية، أكثر من استنادها إلى أدلة قانونية أو تقنية تثبت وقوع عمليات اختراق لأنظمة الانتخابات.
ويشير هؤلاء إلى أن الطعون المقدمة في كل من كولومبيا وبيرو تركز على مراجعة المحاضر الانتخابية والحسابات اليدوية ومدى تطابقها مع النتائج الإلكترونية، من دون تقديم أدلة جنائية رقمية تثبت حتى الآن تعرض أنظمة الانتخابات للاختراق أو تورط جهة خارجية في تغيير النتائج.
كما تؤكد قرارات الهيئات الانتخابية والمحاكم المختصة، إلى جانب تقارير بعثات المراقبة الدولية، أنها لم ترصد مخالفات جوهرية من شأنها التأثير في نزاهة العملية الانتخابية أو نتائجها النهائية.
وفي المقابل، رفض الرئيس الكولومبي المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييلا الاتهامات الموجهة إلى الانتخابات، واعتبرها محاولة للنيل من المؤسسات الديمقراطية، مشددا على أن العملية الانتخابية حظيت بإشادة بعثات المراقبة الدولية التي تابعت مجرياتها.
ودعا تحالف "درع الأمريكيتين"، المدعوم من الولايات المتحدة، إلى احترام النتائج الرسمية للانتخابات الكولومبية، محذراً من أي خطوات قد تعرقل الانتقال السلمي للسلطة.
كما أعربت مذكرة دبلوماسية مشتركة وقعتها الولايات المتحدة و12 دولة من أمريكا اللاتينية والكاريبي عن قلقها من التشكيك في نتائج الانتخابات دون تقديم أدلة، معتبرة أن أي محاولات لتعطيل انتقال السلطة تمثل مساساً بالإرادة الشعبية وبالمسار الديمقراطي.
وفي خضم الضغوط الإقليمية، أعلنت الرئاسة البرازيلية أن الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو أكد خلال اتصال هاتفي مع الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا التزامه بمغادرة منصبه في الموعد الدستوري المحدد في السادس من أغسطس/آب المقبل، والعمل على ضمان انتقال منظم وسلمي للسلطة.



