ترامب يطمئن «الناتو» بالبقاء.. ثم يهاجم الحلف وإسبانيا وجرينلاند
أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأربعاء، حلفاءه في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بأن الولايات المتحدة ترغب في البقاء ضمن الحلف، في موقف بدا مهدئاً لمخاوف أوروبية متصاعدة بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي، قبل أن يعاود في الوقت نفسه توجيه انتقادات حادة للحلف على خلفية الحرب مع إيران وملف جرينلاند والإنفاق الدفاعي.
وقال مسؤول شارك في الجلسة العامة لقمة الناتو المنعقدة في العاصمة التركية أنقرة، إن ترامب أكد للحلفاء خلال الاجتماع أن واشنطن تعتزم الاستمرار داخل الحلف، موضحا أن الرئيس الأمريكي قال بشكل مباشر: "نحن نريد أن نبقى معكم"، بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس عن المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته.
وجاءت رسالة ترامب المطمئنة في لحظة شديدة الحساسية داخل الحلف، إذ تسود مخاوف أوروبية من احتمال تقليص واشنطن التزامها العسكري والسياسي تجاه القارة، خصوصا مع تصاعد الضغوط الأمريكية على الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي، وتنامي الخلافات بشأن أولويات الأمن الدولي.
لكن هذه الرسالة لم تمنع ترامب من تصعيد لهجته تجاه الحلف، إذ شن في وقت سابق الأربعاء هجوما لاذعا على الناتو على هامش القمة، معتبرا أنه لم يساند الولايات المتحدة في المواجهة مع إيران، كما انتقد مواقف بعض الحلفاء الأوروبيين من ملف جرينلاند، وخص إسبانيا بانتقادات مباشرة بسبب مساهمتها الدفاعية.
انتقادات للحلف بسبب إيران وجرينلاند
ومع تصاعد التوتر بعد الهجمات المتبادلة ليلاً بين القوات الأمريكية والإيرانية، أعلن ترامب أن الهدنة مع إيران انتهت، ثم اتهم الحلف بعدم تقديم الدعم لواشنطن في الحرب ضد طهران.
وقال ترامب: "أنا مستاء جدا من الناتو"، مضيفا: "أنا غير راض عن الحلف بسبب ما فعله مع جرينلاند، ولأنه لم يرغب في مساعدتنا في مواجهة الدولة الأولى الراعية للإرهاب، وهي إيران. لقد كان غير مستعد لمساعدتنا".
وفي تصعيد جديد، أعاد ترامب طرح رغبته في الاستحواذ على غرينلاند، معتبرا أن رفض الأوروبيين لهذه الفكرة يمثل "مشكلة كبيرة"، ومؤكداً أن الجزيرة القطبية تمثل أهمية استراتيجية لواشنطن.
وقال الرئيس الأمريكي إن جرينلاند مهمة جدا للولايات المتحدة، مضيفا أنها ليست مهمة بالنسبة إلى الدنمارك بالقدر نفسه، ومعتبراً أن السيطرة عليها ترتبط بحماية الأمن العالمي، وليس فقط المصالح الأمريكية.
وأضاف: "نحتاج إليها لحماية العالم وليس فقط الولايات المتحدة.. إنها لا تساعد الدنمارك لكنها تساعدنا".
تصعيد ضد إسبانيا
وفي سياق انتقاداته للحلفاء الأوروبيين، وجّه ترامب سهامه إلى إسبانيا على وجه الخصوص، معلنا أن الولايات المتحدة ستوقف جميع معاملاتها التجارية معها، في خطوة ربطها مجدداً بما وصفه بتقصير مدريد في الوفاء بالتزاماتها داخل الحلف، ولا سيما على صعيد الإنفاق الدفاعي.
ويأتي هذا الهجوم في وقت يواصل فيه ترامب الضغط على الدول الأوروبية لرفع مساهماتها العسكرية، معتبرا أن الولايات المتحدة تحملت لسنوات عبئاً أكبر من بقية الأعضاء في حماية القارة الأوروبية.
أوروبا ترد على ترامب
في المقابل، سارع الاتحاد الأوروبي إلى الرد على تصريحات ترامب، مؤكداً أنه "سيحرص دائماً" على حماية مصالح الدول الأعضاء فيه "بالكامل"، في إشارة إلى رفض الضغوط الأمريكية المرتبطة بالتجارة والسيادة الإقليمية.
كما شدد الاتحاد الأوروبي على أن القرارات المتعلقة بمستقبل جرينلاند تخص سكان جرينلاند والدنمارك، في موقف ينسجم مع تصريحات رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن التي أكدت على هامش القمة أن "غرينلاند ليست للبيع".
وتحمل هذه الردود الأوروبية دلالة واضحة على اتساع فجوة الخلاف مع ترامب، ليس فقط حول تقاسم الأعباء الدفاعية داخل الحلف، بل أيضاً بشأن قضايا السيادة والموقف من الحرب مع إيران.
روته يسعى لطمأنة الحلفاء
وقبل تصريحات ترامب، حاول الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته تبديد قلق الدول الأعضاء بشأن التزام واشنطن، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة "التزاما كاملا" تجاه الحلف.
وقال روته إن الحلفاء يتحركون لتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة الأوروبية، مشيرا إلى أن دول الناتو تفي بتعهداتها المتعلقة برفع الإنفاق الدفاعي، في ظل التحديات المتزايدة، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا والتهديد الروسي.
وأضاف الأمين العام للحلف أن اليوم السابق للقمة كان "ناجحاً للغاية"، مؤكداً أن الأعضاء يثبتون جديتهم من خلال تعزيز الإنفاق العسكري وتحمل دور أكبر في الدفاع عن أوروبا.
وفي رسالة بدت موجهة إلى ترامب، قال روته إن ما يحدث داخل الحلف يمثل "انتصاراً كبيراً للرئيس الأمريكي"، في إشارة إلى نجاح الضغوط الأمريكية في دفع الأعضاء نحو زيادة مساهماتهم الدفاعية.
قفزة في الإنفاق الدفاعي
وتنعقد قمة أنقرة في ظرف دقيق بالنسبة إلى الحلف الذي تأسس قبل 77 عاماً، في وقت يواجه فيه ضغوطاً متزايدة من إدارة ترامب لتغيير معادلة تقاسم الأعباء بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين.
وعشية الجلسة الرئيسية، نشر الحلف أحدث بياناته الخاصة بالإنفاق الدفاعي لعام 2026، والتي أظهرت أن الإنفاق الدفاعي الأساسي لأوروبا وكندا سيرتفع بنسبة 11% هذا العام إلى 634 مليار دولار، مقارنة مع 571 مليار دولار قبل عام.
كما كشف عدد من أعضاء الحلف، قبيل وصول ترامب إلى أنقرة، عن عقود أسلحة بعشرات المليارات من الدولارات، في خطوة هدفت إلى إثبات الجدية في تنفيذ التعهدات السابقة بزيادة الإنفاق العسكري والاستجابة للمطالب الأمريكية.
قمة على وقع الأزمات
وتأتي قمة الناتو هذا العام على وقع سلسلة أزمات متشابكة، من بينها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد التهديدات الروسية، والتوترات المتزايدة داخل الحلف نفسه بشأن أولويات الأمن الجماعي.
وبينما حاول ترامب طمأنة الحلفاء بإعلانه الرغبة في البقاء داخل الناتو، فإن هجومه المتزامن على الحلف بسبب إيران وجرينلاند وإسبانيا كشف أن العلاقة بين واشنطن وشركائها الأوروبيين لا تزال محكومة بالتوتر والابتزاز السياسي المتبادل، حتى في لحظة يسعى فيها الحلف لإظهار التماسك والوحدة.



