رئيس جامعة الأزهر يوضح رؤية عبد القاهر الجرجاني في بلاغة الجناس
استأنف الدكتور سلامة جمعة داود، رئيس جامعة الأزهر محاضراته العلمية حول كتاب «أسرار البلاغة للإمام عبد القاهر الجرجاني» لأعضاء الهيئة المعاونة بكليات جامعة الأزهر، وذلك ضمن البرنامج العلمي الذي تعقده هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.
أنواع الجناس لا تقف عند حد التشابه اللفظي
وبين رئيس جامعة الأزهر، أن معيار المفاضلة بين أنواع الجناس لا تكمن فقط في التشابه اللفظي، وإنما مقدار ما يحدثه من تقوية للمعنى، مستهلًا حديثه بتحليل شاهد أبي تمام:
مَـا مَـاتَ مِـنْ كَـرَمِ الزَّمَـانِ فَـإِنَّهُ
يَحْيَـا لَدَى يَحْيَـى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
وأوضح أن موطن الإبداع في البيت السابق لا يقف عند حد التشابه بين لفظتي «يحيا» و«يحيى»، وإنما يمتد إلى الصورة البيانية التي جعلت الكرم كائنًا حيًّا يموت ويحيا، ثم نُسبت إليه الحياة في شخص الممدوح، فكأن يحيى بن عبد الله قد أحيا ما اندرس من مكارم الزمان، فاجتمعت في البيت براعة الاستعارة، وحسن الجناس، وقوة المعنى في بناء فني واحد.
ولفت رئيس جامعة الأزهر إلى أن الإمام عبد القاهر يقف عند الفروق الدقيقة بين صور الجناس، وأن الزيادة في أحد اللفظين ليست مجرد اختلاف في عدد الحروف، وإنما هي عنصر مقصود ينعكس على قوة التأثير وحسن الإيقاع، مشيرًا إلى أن الجرجاني يلفت النظر إلى أن تفاوت صور الجناس يؤدي إلى تفاوت درجات الحسن، وأن البلاغة الحقة لا تُدرك بمجرد ملاحظة التشابه الصوتي، وإنما بالنظر في أثر ذلك التشابه في توكيد المعنى وتقريبه إلى النفس.

وبين أن منهج عبد القاهر يقوم على تحليل الألفاظ في سياقها، وربطها بما تؤديه من دلالات، فلا يفصل بين اللفظ والمعنى، ولا يجعل أحدهما تابعًا للآخر، بل يقرر أن قيمة اللفظ إنما تستمد من موقعه في النظم، ومن علاقته بما قبله وما بعده، وهو ما يجعل الجناس جزءًا من البناء الكلي للكلام، لا صناعة مستقلة عنه.
أشار إلى أن الإمام عبد القاهر يدرب قارئه على التذوق العقلي للنص، فيدعوه إلى التأمل في أسرار اختيار الألفاظ، والوقوف على أثر الحرف الزائد، والنظر في كيفية انتقال المعنى من صورته الذهنية إلى صورته البيانية، حتى يصبح القارئ قادرًا على اكتشاف دقائق البلاغة بنفسه.
وأكد رئيس جامعة الأزهر أن الدقة في تحليل النصوص هي التي جعلت «أسرار البلاغة» من أعظم كتب البلاغة العربية، وأن الإمام عبد القاهر الجرجاني لم يرسخ قواعد علم البيان من خلال التعريفات النظرية فحسب، وإنما من خلال التطبيق العملي الدقيق على النصوص الشعرية.





