عاجل

​لا يمكن لأي متابع للمشهد السياسي والاقتصادي الراهن في مصر أن يغفل أننا نعيش واحدة من أدق المراحل وأكثرها حساسية، حيث يقف الوطن أمام تحديات كبرى تتطلب مكاشفة حقيقية ومواجهة حاسمة، فإن تعريف الفساد لم يصبح مجرد انحراف مالي أو إداري يمكن حصره في أروقة المحاكم، بل تحول في الآونة الأخيرة إلى أداة تصنع فجوة ثقة عميقة ومتزايدة بين الشارع ومؤسسات الدولة.

مواجهة هذا الخطر لا يمكن أن تقتصر على الشعارات، بل تكمن في حلول جذرية وأفكار عملية على رأسها ، الإسراع في التحول الرقمي الكامل وفصل مقدم الخدمة عن طالبها لمنع الرشوة والمحسوبية، تفعيل منظومة حقيقية للحوكمة والرقابة المسبقة داخل المؤسسات، إلى جانب تغليظ العقوبات الإدارية والمالية على مسؤولي الأيدي المرتعشة الذين يتسبب تقاعسهم في إهدار المال العام أو تعطيل الاستثمارات.. إن اقتلاع الفساد من جذوره من خلال هذه المسارات التنفيذية هو السبيل الوحيد والمنفذ الآمن لترميم هذه الثقة وإعادة جسور التواصل القوية بين المواطن وحكومته.

​الرأي العام في الشارع المصري يعيش حالة من الترقب والوعي الشديد، ولم يصبح قادرا ان يرتضي المسكنات أو الحلول المؤقتة للأزمات الملحة ، المواطن يرى بوضوح كيف تلتهم البيروقراطية وسوء الإدارة في بعض الأماكن عوائد المشروعات الكبرى، وكيف يمارس بعض المسؤولين سياسة الأيدي المرتعشة التي تخشى اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، مما يضاعف من حجم المعاناة اليومية ، ومن الأفكار المطروحة بقوة في هذا الصدد، ضرورة تفعيل قوانين حرية تداول المعلومات لتمليك الرأي العام الحقائق والحد من الشائعات، مع إرساء نظام صارم لتقييم الأداء القيادي عبر جهات رقابية مستقلة ترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية.

من هنا، يصبح الحديث عن محاربة الفساد والمطالبة بالتغيير الشامل ليس مجرد شعار سياسي أو رفاهية، بل هو ضرورة حتمية تفرضها المعطيات الحالية على الأرض، ورؤية وطنية خالصة تهدف إلى حماية مكتسبات الدولة وتأمين جبهتها الداخلية ضد أي احتقان.

​في هذا السياق، أود أن أشير إلى ماطرحه النائب مصطفى بكري خلال كلمتن بالجلسة العامة لمجلس النواب ، والتي اتسمت بالشجاعة للاشتباك مع أزمات الحاضر ، حيث تجاوزت كلمته لغة الاحتفاء التقليدي بذكرى 30 يونيو، لينتقل مباشرة إلى مربع المطالبة بالتغيير الشامل وشن ثورة حاسمة ضد الفساد والفاسدين.

​هذه المطالبة من النائب المخضرم، بالتغيير من صوت محسوب على الدولة لم تأتي من فراغ، بل تلخص قراءة دقيقة لواقع مشحون بالتحديات، ويمكن تفكيك أسبابها في ثلاث نقاط جوهرية: أولا  حماية فاتورة الصبر التي تكبدها الشعب المصري من الفقراء ومحدودي الدخل مع تزايد الأعباء، لقد تحمل الملايين من الشعب طوال السنوات الماضية كلفة اقتصادية باهظة، وصبر على الأزمات إيمانا ببلدهم وثقة في قيادتتهم السياسية ،وهنا تأتي التحديات وماشابها من سوء الإدارة ليصبحا بمثابة خطر داهم يهدد هذا الصبر ويقوض مكتسبات المشروعات القومية.. المطالبة بالتغيير التي دعا إليها النائب مصطفى بكري هنا تعني: لا يمكن أن يتحمل المواطن الفاتورة، في حين يعبث الفاسدون بالقدرات.

إن هذا الصبر الشعبي الجارف هو الرصيد الحقيقي للدولة المصرية، وحمايته تتطلب حلا عاجلا يتمثل في إطلاق منظومة قوية وفورية ومحاكمات عاجلة ورادعة لقضايا الفساد الإداري بجدول زمني ملزم للمحاسبة، لأن استنزاف هذا الرصيد دون طائل يحمل عواقب وخيمة على مسار العمل الوطني بأكمله.

​الأمر الثاني : مواجهة الاحتقان بالشفافية ، النائب مصطفى بكري أشار بوضوح إلى الحاجة لتخفيف أي احتقان.. والاحتقان لا يزول بالشعارات، بل يزول بالمحاسبة وبث حي لجلسات البرلمان على الهواء ليرى المواطن أن الحكومة تُساءل وتُحاسب.

الفساد تحول إلى أداة تصنع فجوة ثقة بين الشارع ومؤسسات الدولة، واقتلاعه هو السبيل الوحيد لترميم هذه الثقة.. إن المكاشفة العلنية أمام الجماهير تمنح المواطن شعورا بالعدالة والإنصاف، وتؤكد أن الدولة جادة في تتبع أوجه القصور والمخالفات، والحل هنا يكمن في إشراك الإدارة المحلية والمجتمع المدني في الرقابة المجتمعية على المشروعات والخدمات ، وهو ما يسهم بشكل مباشر في تهدئة النفوس وإعادة الانضباط للمشهد العام.

​الأمر الثالث في كلمة مصطفى بكري، بعث برسالة مفادها أن الاستقرار الأمني والسياسي الذي تحقق بعد 2013، يجب أن تحميه منظومة إدارية قوية.. لم يعد هناك مجال للمجاملات أو الأيدي المرتعشة في الجهاز الإداري للدولة ، لأن الأزمة الاقتصادية الراهنة لا ترحم، والخطأ فيها كلفته مضاعفة.

وتتطلب الحلول هنا إعادة النظر في شروط اختيار القيادات التنفيذية، والاعتماد على الكفاءات الشابة والتكنوقراط، ووضع آلية الثواب والعقاب القانونية حيز التنفيذ الفوري، لمنع بقاء أي مسؤول في مقعده الوظيفي دون إنجاز حقيقي، لأن الخوف من اتخاذ القرارات المصيرية يعطل مسيرة البناء ويحمل ميزانية الدولة أعباء لا تطاق.

​رسالة مصطفى بكري تحت القبة لا تعد هجوما، بل كانت جرس إنذار غاية في الأهمية ، فالالتفاف خلف الدولة والقيادة الوطنية في هذه المرحلة الصعبة، يتطلب بالضرورة ضربة استباقية وتطهيرا شاملا للجبهة الداخلية ، فإن التغيير ومحاربة الفساد لم يعودا رفاهية سياسية، بل هما شرط الوجود لاستكمال مسيرة الجمهورية الجديدة وإعادة التوازن للشارع المصري.. وبناءً على ذلك، فإن الاستجابة الفورية لمتطلبات هذا التغيير وضخ دماء جديدة قادرة على العطاء والمواجهة في مفاصل الجهاز الإداري والتنفيذي، أصبحت بمثابة طوق النجاة الحقيقي الذي يضمن عبور الوطن إلى بر الأمان، ويوجه رسالة حاسمة بأن الجمهورية الجديدة لا تقبل بين صفوفها متقاعسا أو فاسدا، وأن ثمار التنمية والصبر ستذهب في النهاية إلى مستحقيها من أبناء هذا الشعب العظيم.

تم نسخ الرابط