نتنياهو إلى واشنطن.. إيران ولبنان على طاولة لقاء حاسم مع ترامب
يستعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزيارة الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة، في خطوة تحمل أبعادا سياسية وأمنية واسعة، وسط توتر متصاعد بشأن مفاوضات واشنطن وطهران، واستمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان، والتي باتت تمثل أحد أبرز التحديات أمام جهود التهدئة الإقليمية.
وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، الجمعة، أن نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفقا خلال اتصال هاتفي على عقد لقاء قريب في الولايات المتحدة، في زيارة ستكون السابعة لنتنياهو إلى واشنطن منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025.
وخلال الاتصال، هنأ نتنياهو الرئيس الأمريكي بمناسبة الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، مؤكدا أن "أمريكا هي الضامن لحرية العالم"، ومشددا على تقدير إسرائيل للعلاقة الوثيقة التي تربط البلدين، وفق ما جاء في بيان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي.
ويأتي هذا التحرك في توقيت حساس، إذ تتواصل مفاوضات السلام التي تقودها واشنطن مع إيران، في محاولة للتوصل إلى اتفاق نهائي ينهي الحرب التي شاركت فيها إسرائيل، بينما تبدي تل أبيب اعتراضا واضحا على المسار التفاوضي، معتبرة أن أي اتفاق مرتقب قد يهدد أمنها، بحسب الرواية الإسرائيلية.
كما تتزامن الزيارة المرتقبة مع تصاعد الخلافات بين واشنطن وتل أبيب بشأن الجبهة اللبنانية، في ظل إصرار نتنياهو على مواصلة الهجمات ضد لبنان، رغم اعتراضات ترامب وتحذيراته من أن استمرار التصعيد قد ينسف فرص التوصل إلى تسويات إقليمية، ويؤثر سلبا على المحادثات مع إيران.
وفي الشهر الماضي، وقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم نصّت على تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، والدخول في مفاوضات تمتد 60 يوما للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني، ورغم أن إسرائيل لم تكن طرفا في هذه التفاهمات، فإن القتال بينها وبين إيران توقف أيضاً في أعقاب الاتفاق.
وكانت آخر زيارة لنتنياهو إلى الولايات المتحدة في فبراير الماضي، قبل أيام من اندلاع الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير.
علاقة قوية رغم التوتر
الاتصال الأخير بين ترامب ونتنياهو، الذي وصفته صحيفة "نيويورك بوست" بأنه "ودي"، جاء بعد أسابيع من التوتر بين الجانبين، نتيجة الخلافات بشأن الملف الإيراني والهجمات الإسرائيلية على لبنان.
وفي 26 يونيو الماضي، وقعت إسرائيل اتفاقا إطاريا ثلاثيا مع لبنان والولايات المتحدة، يتضمن خريطة طريق للتوصل إلى اتفاق دائم، إلا أن التصعيد الميداني الإسرائيلي ظل يهدد هذا المسار.
ونقلت "نيويورك بوست" عن مسؤول إسرائيلي قوله إن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية "لا تزال قوية رغم التوتر السابق" المرتبط بمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وكذلك الخلاف حول العمليات الإسرائيلية في لبنان.
لكن هذا التوصيف لا يلغي حجم التوتر الذي ساد الاتصالات بين الرجلين في الأسابيع الماضية. ففي مطلع يونيو، وصف ترمب نتنياهو، خلال اتصال هاتفي، بأنه "مجنون للغاية" بسبب استمرار هجماته على لبنان، معرباً عن خشيته من أن يقود ذلك إلى حرب جديدة مع إيران.
كما نقل موقع "أكسيوس" عن ترامب قوله لنتنياهو في إحدى المكالمات: "لولاي لكنت في السجن، أنا أنقذ حياتك، الجميع يكرهك الآن، والجميع يكره إسرائيل بسبب هذا".
وأكد ترامب لاحقاً لصحيفة "نيويورك بوست" أنه استخدم هذه العبارات بالفعل، موضحا أنه كان منزعجا من استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن العلاقة بينهما لا تزال "جيدة جدا".
وفي 8 يونيو، جرى اتصال آخر اتسم بالتوتر أيضاً، بالتزامن مع اقتراب الإدارة الأمريكية من إبرام مذكرة التفاهم مع إيران، حيث حذر ترامب نتنياهو من أن استئناف حرب شاملة مع طهران قد يضع إسرائيل في مواجهة منفردة، ويؤدي إلى تراجع الدعم الأمريكي.
ونقلت "القناة 12" الإسرائيلية عن ترامب قوله آنذاك: "قلت لنتنياهو عليك أن تكون حذراً جداً فيما تفعله، لأنك قد تجد نفسك قريباً وحيداً في مواجهة إيران".
مخاوف أمريكية من خطط إسرائيلية ضد مسؤولين إيرانيين
وفي تطور لافت، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلاً عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، أن إدارة ترامب كانت تعتقد خلال الربيع الماضي أن إسرائيل خططت لاستهداف اثنين من كبار المسؤولين الإيرانيين المشاركين في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو ما أثار مخاوف جدية من انهيار المسار التفاوضي وتجدد الحرب.
وبحسب الصحيفة، فإن المخاوف الأميركية تركزت على وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، باعتبارهما من أبرز الشخصيات المنخرطة في الاتصالات الهادفة إلى تثبيت وقف إطلاق النار ثم التوصل إلى اتفاق سلام أوسع بين واشنطن وطهران.
وذكرت الصحيفة أن هذه المخاوف تصاعدت مع انطلاق مفاوضات وقف إطلاق النار بشكل جدي في أبريل الماضي، إذ خشيت واشنطن من أن يؤدي اغتيال أي من المسؤولين الإيرانيين إلى نسف المحادثات وإعادة إشعال الحرب في المنطقة.
وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة طلبت من دول في المنطقة نقل تحذيرات إلى طهران بشأن احتمال تعرض عراقجي وقاليباف لمحاولات استهداف إسرائيلية.
كما أشار إلى أن الوفد الإيراني كان مترددا في السفر إلى إسلام آباد للمشاركة في الجولة الأولى من المحادثات في 11 أبريل، قبل أن يبدد وسطاء باكستانيون تلك المخاوف بعد حصول الإيرانيين على ضمانات أمنية أميركية.
من جانبه، نفى نتنياهو هذه المعلومات، وكتب في منشور على منصة "إكس" أن ما ورد في التقرير "غير صحيح".
ترامب بين الحرب والدبلوماسية
وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ترامب درس خلال الأيام الماضية خيارات العودة إلى حرب شاملة مع إيران، قبل أن يقرر المضي في المسار الدبلوماسي، مع إبقاء الخيار العسكري مطروحاً إذا تعثرت المفاوضات.
وبحسب الصحيفة، أبلغ ترامب مساعديه بأنه لا يرى مشكلة في حال عدم التوصل إلى اتفاق نووي نهائي بحلول مهلة الستين يوماً المحددة في 18 أغسطس، كما ناقش مع وزير الدفاع بيت هيجسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين احتمال انسحاب واشنطن من المفاوضات واللجوء إلى تنفيذ ضربات عسكرية.
لكن الرئيس الأمريكي بدا أكثر ميلا إلى التهدئة في تصريحاته الأخيرة، إذ قال في مقابلة مع شبكة CNBC، الخميس، إنه يعتقد أن إيران "وافقت تقريباً على كل ما نحتاجه" في المفاوضات الخاصة بالاتفاق النهائي.
وعندما سئل عما إذا كانت الحرب التي اندلعت بهجوم أميركي إسرائيلي مباغت في 28 فبراير، قبل أن يوقفها وقف مؤقت لإطلاق النار في 8 أبريل، مرشحة للتحول إلى واحدة من "الحروب الأبدية" التي تعهد بتجنبها، نفى ترامب ذلك بشكل قاطع.
وأضاف الرئيس الأمريكي أن الإيرانيين "يريدون التوصل إلى تسوية بشدة"، قائلا خلال خطاب ألقاه مساء الجمعة من جبل راشمور في ولاية ساوث داكوتا: "لقد منحناهم أسبوعا من أجل جنازة المرشد السابق علي خامنئي، لأننا لطفاء".
كما زعم ترامب في حديثه إلى CNBC أن مقتل عدد من قادة إيران أدى إلى صعود شخصيات أكثر "عقلانية" إلى مواقع السلطة، معتبرا أن ذلك يدخل ضمن مفهوم "تغيير النظام"، رغم أنه عاد لاحقاً ليؤكد أن هذا الهدف لم يكن أولوية بالنسبة له.
زيارة تحمل ملفات معقدة
في ضوء هذه التطورات، تبدو زيارة نتنياهو المرتقبة إلى واشنطن أكثر من مجرد لقاء ثنائي تقليدي، إذ تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها ملفات إيران ولبنان ومستقبل التهدئة الإقليمية، فضلا عن اختبار متجدد لطبيعة العلاقة بين ترامب ونتنياهو، والتي تجمع بين الشراكة الاستراتيجية والخلافات الحادة حول كيفية إدارة أزمات المنطقة.
ومن المتوقع أن تركز المباحثات بين الجانبين على مستقبل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وحدود الدور الإسرائيلي فيها، إلى جانب التطورات في لبنان وإمكانية احتواء التصعيد، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى منع انزلاق المنطقة مجدداً إلى مواجهة واسعة قد تقوض كل ما تحقق من تفاهمات خلال الأشهر الماضية.



