عاجل

​ليست الأمم العظيمة هي التي تخلو من التحديات، وإنما هي التي تمتلك القدرة على تجاوزها، وتحويل المحن إلى فرص، والأزمات إلى بدايات جديدة. ومن هذا المنطلق، يستحضر المصريون ذكرى الثالث من يوليو باعتبارها محطة مفصلية في تاريخ الدولة المصرية؛ حيث أسهمت في الحفاظ على كيان الدولة الوطنية، ومنعت انطلاقها إلى مسارات كادت أن تقود إلى مزيد من الانقسام وعدم الاستقرار، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة عنوانها البناء والتنمية واستعادة مؤسسات الدولة لدورها.
​وأثبتت تجارب التاريخ أن سقوط الدول لا يبدأ بانهيار المباني، وإنما بانقسام المجتمعات، وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية، وانتشار الفوضى، وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة. فإذا استعادت الدولة تماسكها، واستعاد المجتمع وعيه، أصبحت التنمية ممكنة، وأصبح المستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
​والاحتفاء بذكرى الثالث من يوليو هو في حقيقته دعوة إلى استكمال مسيرة البناء، وترسيخ ثقافة الوعي، والحفاظ على وحدة الصف؛ لأن الأوطان تبنى بسواعد أبنائها، وتصان بإخلاصهم، وتزدهر حين يتحول حب الوطن إلى عمل، والانتماء إلى إنتاج، والشعارات إلى إنجازات يلمسها المواطن في حياته اليومية.
​ومن هنا، فإن أعظم ثمار الاستقرار أنه يهيئ المناخ للعمل والإنتاج، ويطلق طاقات التنمية في مختلف المجالات. وقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية حركة عمرانية وتنموية واسعة، شملت إنشاء المدن الجديدة، وتطوير شبكة الطرق والمحاور، وتحديث البنية الأساسية، والاهتمام بالتعليم والصحة، وتطوير الريف المصري، وتعزيز قدرات الدولة الاقتصادية، بما يؤكد أن الأمن ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية الشاملة.
​ومن هنا، حينما ندعو إلى الاصطفاف الوطني في هذه المرحلة بالذات، ليس ذلك من قبيل الشعارات التي ترفع في أوقات الأزمات، ولا موقفاً عابراً تفرضه الظروف، وإنما هو قيمة حضارية، ومبدأ شرعي، تقاس به قدرة الأمم على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. فما من دولة استطاعت أن تحقق نهضة حقيقية، إلا وكان أبناؤها على قدر من الوعي بوحدة الهدف، وإدراك أن قوة الوطن هي الضمان الحقيقي لأمن الجميع واستقرارهم.
​لقد أثبتت التجارب قديماً وحديثاً أن الدولة التي تنعم بالأمن والاستقرار تمتلك القدرة على البناء، أما الدول التي تستغرقها الفوضى والصراعات، فإن التنمية فيها تتعطل، وتتراجع فيها الخدمات، وتتعثر خطط الإصلاح، ويدفع المواطن ثمن ذلك من أمنه، ورزقه، ومستقبل أبنائه.
​ولو نظرنا إلى رؤية الإسلام في ذلك، لوجدنا أن الحفاظ على الدولة وصيانة مؤسساتها يدخل في دائرة المقاصد الشرعية؛ لأن حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض لا يتحقق إلا في ظل وطن آمن ومستقر. وقد حذر القرآن الكريم من الفرقة والتنازع، فقال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [من الآية 46 من سورة الأنفال]، كما أمر بالاعتصام والوحدة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [من الآية 103 من سورة آل عمران]؛ مما يؤكد أن وحدة الصف وحماية المجتمع من الفتن من أعظم أسباب القوة والنهضة.
​كذلك لا ينظر الإسلام إلى عمارة الأرض باعتبارها عملاً مادياً مجرداً، بل يعدها رسالة حضارية وعبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله؛ يقول تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [من الآية 61 من سورة هود]، وهي دعوة إلى الإصلاح والإنتاج والبناء، لا إلى الهدم والفوضى، حتى تصبح التنمية ممكنة، ويصير المستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
​إن ذكرى الثالث من يوليو ليست دعوة إلى استحضار الماضي، بقدر ما هي دعوة إلى استكمال مسيرة البناء، وترسيخ الوعي، ومواجهة الشائعات، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج، حتى تظل مصر قوية بوحدة شعبها، راسخة بمؤسساتها، متقدمة بسواعد أبنائها.

تم نسخ الرابط