لو عودنا إلى يوم 3 يوليو 2013، يبقى السؤال حاضرا: ماذا كانت عليه مصر قبل هذا التاريخ؟ وإلى أي مدى تغيرت أوضاعها بعده؟ ، إن الإجابة لا تقتصر على الرؤى السياسية، وإنما تستند أيضا إلى قراءة الواقع الاقتصادي والأمني والمؤسسي، ومقارنة ما كان بما أصبح.
دولة تواجه أخطر اختبار
في منتصف عام 2013، كانت الدولة المصرية تمر بواحدة من أكثر مراحلها صعوبة منذ عقود ، فقد تداخلت الأزمات الاقتصادية مع الاضطرابات السياسية، وامتدت آثارها إلى الحياة اليومية للمواطنين.. انقطاعات الكهرباء لساعات طويلة أصبحت مشهدا معتادا، بعدما تجاوز العجز في الإنتاج ٦٠٠٠ ميجاوات، وهو ما انعكس على المنازل والمستشفيات والمصانع وقطاع الخدمات.
في الوقت نفسه، شهدت محطات الوقود ومنافذ الخبز طوابير طويلة، بينما كانت الأسواق تعاني اضطرابا واضحا في حركة التجارة والاستثمار، مع تراجع الثقة في قدرة الاقتصاد على تجاوز الأزمة ، ومعدل النمو كان يقف عند ٢.٦ % ، والاحتياطي الاجنبي أقل من ١٤.٩ مليار دولار،
أما الاحتياطي النقدي الأجنبي، وهو مستوى منخفض إلى ادنى مستوياته تاريخيا ، المشهد كان معقدا بشأن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، وتأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والوقود والدواء.
وبالتوازي مع ذلك، تصاعد الاحتقان تجاه أداء مؤسسات الدولة، في ظل اتهامات بتراجع معايير الكفاءة داخل الجهاز الإداري، وهو ما انعكس على سرعة اتخاذ القرار وإدارة الملفات الحيوية.
لم تكن الأزمة اقتصادية فقط، بل امتدت إلى ملفات الأمن القومي فقد شهدت شمال سيناء تصاعدا ارهابيا خسيسا، وتزايدت المخاوف من اتساع رقعة العنف في تلك المنطقة التي تمثل قطعة من قلوبنا جميعا ، وجاءت أزمة اختطاف الجنود السبعة في مايو 2013 لتكشف حجم التحدي والمؤامرة، بعدما أثار تصريح الرئيس المعزول محمد مرسي بشأن ضرورة الحفاظ على سلامة الخاطفين والمخطوفين ، هذا التصريح الذي اصابنا جميعا بالاحباط وجعلنا نسأل: من يحكمنا؟.. بالطبع هو إرهابي مثل الذي طالب بالحفاظ عليهم من الإرهابيين ، هذا جاء بالتوازي مع نقاشات إخوانية متعلقة بالاستثمار وتملك الأراضي في سيناء، لتكون الباب الخلفي للبيع للعدو، بالتزامن مع طرح أفكار إقليمية ودولية مرتبطة بقطاع غزة، وهو ما دفع قطاعات واسعة إلى التحذير من أي مساس بطبيعة المنطقة أو وضعها الاستراتيجي.
إن استمرار الأوضاع على ما كانت عليه آنذاك كان ينذر باحتمالات أكثر تعقيدا وكان يمثل تهديدا وجوديا لمصر، من بينها الدخول في أزمة مالية عميقة قد تصل إلى التعثر في سداد الالتزامات، وما يترتب على ذلك من نقص في السلع الأساسية والطاقة.
كما كان الاستقطاب السياسي الحاد ينذر بمزيد من الانقسام المجتمعي، مع تصاعد التوتر بين مؤسسات الدولة المختلفة، وهو ما كان يمكن أن ينعكس سلبا على الاستقرار الداخلي ، وكان ينذر بحرب أهلية واسعة المدى ،
أما في سيناء، فكان استمرار تصاعد الإرهاب يمثل تحديا مباشرا للأمن القومي، ويستدعي تحركا واسعا لاستعادة السيطرة الكاملة على المنطقة.. لذلك كان القرار الشعبي الذي حماه الفريق أول عبدالفتاح السيسي في ٣ يوليو بعزل مرسي وجماعته وانقاذ الوطن و الهوية المصرية.
بعد 3 يوليو، بدأت الدولة تنفيذ برنامج واسع لإعادة بناء مؤسساتها، بالتوازي مع إطلاق خطة اقتصادية وتنموية شاملة استهدفت معالجة الاختلالات المتراكمة، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا للاستثمار والإنتاج.
اقتصاديًا، ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي تدريجيا ليصل إلى نحو ٥٣.١٣ مليار دولار الآن، كما شهدت مصر تنفيذ عدد من المشروعات الاستثمارية الكبرى، من بينها مشروع تطوير منطقة رأس الحكمة، الذي مثل أحد أكبر تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في تاريخ مصر.
وفي قطاع الطاقة، انتقلت البلاد من مرحلة العجز الحاد في إنتاج الكهرباء إلى تحقيق فائض في القدرة الإنتاجية، بفضل إنشاء محطات جديدة واكتشاف حقل "ظهر" العملاق، الذي أسهم في تعزيز إنتاج الغاز الطبيعي وتقليل فاتورة الاستيراد.
توسعت الدولة في تنفيذ مشروعات الربط الكهربائي مع عدد من الدول، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة.
طفرة في البنية الأساسية
شهدت السنوات التالية توسعا غير مسبوق في إنشاء الطرق والمحاور والكباري، إلى جانب إطلاق مدن جديدة مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة وعدد من مدن الجيل الرابع.
استهدفت هذه المشروعات زيادة الرقعة المعمورة، وتخفيف الضغط عن المدن القديمة، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل جديدة، مع تحسين كفاءة شبكات النقل والخدمات اللوجستية.
كما انعكس هذا التطور على ترتيب مصر في عدد من المؤشرات الدولية الخاصة بجودة الطرق والبنية التحتية، مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2013.
امتدت جهود التطوير إلى القطاعات الاجتماعية، حيث تراجع معدل البطالة مقارنة بمستوياته في عام 2013، بالتوازي مع تنفيذ برامج للحماية الاجتماعية، وتوسيع مظلة الدعم للفئات الأكثر احتياجا.
تطوير المناطق العشوائية الخطرة، ونقل سكانها إلى مجتمعات سكنية جديدة مزودة بالخدمات الأساسية ، وأما في المجال الصحي، فقد حققت مصر إنجازا دوليا بإعلان منظمة الصحة العالمية نجاحها في القضاء على فيروس "سي" كمشكلة صحية عامة، بعد تنفيذ واحدة من أكبر حملات الفحص والعلاج على مستوى العالم.
وبعد ١٣ عاما من الانقاذ في ٣ يوليو ٢٠١٣ ، فإن قراءة المؤشرات الاقتصادية والأمنية والتنموية توضح حجم التحولات التي شهدتها الدولة المصرية خلال السنوات التالية ، فالأزمات الاقتصادية الراهنة، رغم صعوبتها، تأتي في ظل امتلاك الدولة بنية تحتية أكثر تطورًا، واحتياطيًا نقديًا أكبر، وقدرات إنتاجية أعلى، ومشروعات استراتيجية في مجالات الطاقة والنقل والإسكان، إلى جانب مؤسسات أكثر قدرة على التعامل مع التحديات.
إن 3 يوليو مثل نقطة فاصلة أعادت رسم مسار الدولة المصرية، وفتحت مرحلة جديدة عنوانها استعادة الاستقرار، وإعادة بناء المؤسسات، والانطلاق نحو مشروع تنموي واسع، لا تزال نتائجه وتحدياته محل متابعة وتقييم حتى اليوم.